تواصل وزارة الثقافة الأردنية ترسيخ حضورها بوصفها حارسًا للهوية الوطنية وفاعلًا أساسيًا في المشهد الثقافي، من خلال برامجها ومبادراتها التي تخاطب الوعي الجمعي وتلامس وجدان المجتمع، انطلاقًا من إيمانها بأن الثقافة ليست فعلًا نخبويًا، بل ممارسة يومية تُسهم في بناء الإنسان وتعزيز انتمائه للمكان والتاريخ.
وفي سياق احتفاء المملكة بـيوم الشجرة، جسّدت وزارة الثقافة هذا المعنى عبر مقاربة ثقافية عميقة، تجاوزت الطابع الرمزي للمناسبة، لتؤكد أن الشجرة، ولا سيما شجرة الزيتون “المهراس”، تمثل امتدادًا حيًا لذاكرة الأردن وتاريخه، وعنوانًا متجذرًا للهوية الوطنية.
ويأتي هذا التوجّه متسقًا مع إعلان اللجنة الحكومية الدولية لصون التراث الثقافي غير المادي التابعة لمنظمة اليونسكو إدراج شجرة الزيتون “المهراس” ملفًا أردنيًا على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي، في إنجاز وطني يُحسب لوزارة الثقافة التي قادت هذا الملف باحترافية، وأسهمت في تثبيت عنصر من التراث الأردني على الخارطة الثقافية العالمية.
واستكمالًا لهذا الإنجاز، بادرت الوزارة إلى تنفيذ خطوات عملية ذات بعد رمزي وثقافي، تمثلت في إقامة منحوتات حجرية لشجرة المهراس، كان أبرزها نصب ثقافي تذكاري في محافظة الطفيلة حمل عنوان “يا حيّهلا”، إلى جانب منحوتة أخرى عند مدخل مركز جرش الثقافي، في دلالة بصرية تعبّر عن احتضان الثقافة الأردنية لجذورها العميقة.
كما وجّهت الوزارة بزراعة شجرة المهراس عند المدخل الرئيس للمركز الثقافي الملكي في عمّان، ضمن ما أُطلق عليه حديقة المهراس، لتغدو الشجرة رمزًا ثقافيًا وطنيًا يعكس الامتداد التاريخي للدولة الأردنية، ويمنح المكان بعدًا حضاريًا يتجاوز الجغرافيا إلى المعنى.
وامتد هذا التوجّه ليشمل المراكز الثقافية والمديريات التابعة للوزارة في مختلف محافظات المملكة، حيث جرى التوجيه بزراعة شجرة المهراس في المداخل والحدائق العامة، إيمانًا بدورها الثقافي والسياحي والاقتصادي، وبما تحمله من قيمة رمزية تعبّر عن الصمود والاستمرارية والعلاقة العضوية بين الإنسان والأرض.
وفي سياق متصل، تواصل وزارة الثقافة تنفيذ برامج نوعية تُعنى بالشجرة والفضاء العام، من أبرزها برنامج “الحديقة الثقافية”، الذي شكّل نموذجًا تفاعليًا لدمج الثقافة بالبيئة والمجتمع المحلي، وترك أثرًا إيجابيًا ملموسًا عند تطبيقه في لواء فقوع، كما يعكس مشروع تحويل حديقة الشياح في لواء الرمثا إلى حديقة ثقافية رؤية جديدة للفعل الثقافي القائم على الابتكار والاستدامة.
وتؤكد هذه الجهود مجتمعة أن وزارة الثقافة تمضي بثبات نحو تكريس الثقافة بوصفها فعلًا وطنيًا جامعًا، يتقاطع فيه التراث مع الحاضر، وتتحول فيه الشجرة من رمز طبيعي إلى شاهد حيّ على هوية وطن لا ينفصل عن جذوره.