دانت وزارة الخارجية وشؤون المغتربين بأشدّ العبارات قرارَ إسرائيل، القوة القائمة بالاحتلال، سحبَ صلاحيات التخطيط والبناء في الحرم الإبراهيمي الشريف من بلدية الخليل، والمصادقة على مشروع سقف صحن الحرم الإبراهيمي بشكلٍ أحادي، في انتهاكٍ صارخٍ للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، وللوضع التاريخي والقانوني القائم.
إنّ الرفضَ الأردني الرسمي المطلق لهذا القرار، والإدانةَ الشديدة لاستمرار الإجراءات الإسرائيلية الأحادية اللاشرعية في الضفة الغربية المحتلة، يعنيان الكثير تجاه الحرم الإبراهيمي الشريف، الذي يتعرّض لانتهاكٍ صارخٍ للقانون الدولي، ولاتفاقية لاهاي لعام 1954 الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلّح، ولقرارات الأمم المتحدة، وخصوصًا قرار منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) لعام 2017، بإدراج البلدة القديمة في الخليل والحرم الإبراهيمي الشريف على قائمة التراث العالمي المهدّد بالخطر.
كتبتُ أكثر من مرة، وعلى صفحات الرأي، بهذا الخصوص، وأضيف هنا ما طالبت به وزارة الخارجية من دعوة المجتمع الدولي إلى تحمّل مسؤولياته القانونية والأخلاقية، وإلزام إسرائيل، القوة القائمة بالاحتلال، بوقف إجراءاتها اللاشرعية في الأرض الفلسطينية المحتلة، وحماية التراث الثقافي والديني للحرم الإبراهيمي، والحفاظ على قيمته الاستثنائية العالمية التي تتعرّض للتهديد بفعل الإجراءات الإسرائيلية. كما أنّه لا سبيل لتحقيق الأمن والسلام العادل والشامل دون تلبية حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة في تقرير مصيره، وتجسيد دولته المستقلة ذات السيادة على خطوط الرابع من حزيران عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية.
يعني هذا القرار الاستيلاءَ الكامل على الحرم الإبراهيمي الشريف، بعد التقسيم الجائر الذي تعرّض له من قبل سلطات الاحتلال، وضمّ بل وقضم كل ركنٍ من أركانه، وإغلاقه أكثر من مرة، ومنع المصلّين من دخوله، ومنع رفع الأذان بحجج واهية، منها الأعياد وإزعاج المستوطنين.
هذه ليست المرة الأولى التي تُجرى فيها تغييرات جذرية على وضع الحرم الإبراهيمي؛ فمنذ قرارات ما يُسمّى «لجنة شمغار» عام 1994، التي أوصت آنذاك بتقسيم الحرم الإبراهيمي بواقع 63% لليهود و37% للمسلمين، وذلك في أعقاب المجزرة التي ارتكبها المستوطن باروخ غولدشتاين، والتي أسفرت عن استشهاد 29 فلسطينيًا كانوا يؤدّون صلاة الفجر في الحرم الإبراهيمي.
خلال العهد الأردني، اقترن شرفُ رعاية الحرم الإبراهيمي الشريف والاهتمام به بتوجيهٍ مباشر من جلالة الملك عبد الله الأول، والملك الراحل الحسين، طيّب الله ثراهما، من خلال زياراتهما المستمرة وتفقّدهما للحرم. وقد تشرفت عائلتي (الحموري) برئاسة سدنة الحرم أبًا عن جد، وتسلّم هذه الأمانة باقتدار فضيلة الشيخ عاطف عبد الحافظ الحموري (رحمه الله)، لمدة ناهزت الخمسين عامًا، استقبل خلالها ملوكًا ورؤساءَ دولٍ زاروا مدينة الخليل بعد زيارة المسجد الأقصى المبارك.
إنّ الحرم الإبراهيمي الشريف يقف جنبًا إلى جنب مع الأقصى الجريح، ومع المقدسات الإسلامية والمسيحية في فلسطين المحتلة، قلعةً صامدة في وجه الاحتلال الغاشم. ولعلّ التصرفات الإسرائيلية المسيئة للمقدسات الإسلامية والمسيحية مدانةٌ جملةً وتفصيلًا، وتستدعي الملاحقة القانونية. ولولا الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، لتجاوزت الاعتداءات والانتهاكات الإسرائيلية مداها إلى نطاقٍ واسع من التهويد والسرقة والتطاول.
الخطر قادم، والمخططات الإسرائيلية تسعى جاهدةً، وبشراسةٍ ودون هوادة، لطمس الهوية الإسلامية والمسيحية في فلسطين، والاستيلاء على المقدسات والأرض، وتهجير سكانها، وفرض سياسة الأمر الواقع.