العنف الجامعي.. حين ينتج التعليم جيلاً قلقاً

تاريخ النشر : الاثنين 11:19 22-12-2025
No Image

شكلت قضايا «العنف الجامعي»، والتي عصفت بعدة جامعات في الآونة الأخيرة، مُناسبةً للإشارة إلى الانحراف الذي بدأ يلوح بالأفق، في نظامنا التعليمي العام، بشقيه المدرسي والعالي.

وفي حين نجحت بعض الجامعات في لجم هذه الحوادث، خلال السنوات العشر الماضية، عبر آلية ضبط، لها ما لها، وعليها ما عليها، ولكن حسبها كانت قد أخرجت جيلاً مُتمكنًا حينها، قبل أن تعاود الأمور إلى نصابها بعد ذالك بقليل.

ويا للأسف، عندما أقول أن مخرجات الاعتماد على المنصات بشكل مبالغ فيه، حُولت المدرسة إلى مجرد مؤسسة تُثقل الطلبة بالالتزام في الدوام خشية من الحرمان من التقدم للامتحان الوزاري، في حين لا يرى الطالب الذي يبتغي نيل الدرجة الثانوية، كمتطلب للترقي في مراحل التعلم اللاحقة، وخوض غمار الصراع من أجل فرصة عمل تسد الرمق، وتحمي من ضنك العيش في زمن باتت فيه فكرة «المتحذلقين»، كما يصفهم العلامة علي الوردي، حول التعلم من أجل التعلم محط تندر وسخرية، إذ لا يعقل بعد عقود طويلة من المزاوجة بين التعليم وفرص العيش الكريم، أن نُقنع شبابنا أو ذويهم بأن التعليم بات هدفه التعلم فقط!، في المدرسة سوى مصدر أرق والتزام لا طائل منه، يعود بعده إلى المنصات والبطاقات للاستفادة الفعليه.

وزاد في القلب غصة، أن جيل ٢٠٠٨م، والذي يخضع للنظام الحالي للمرحلة الثانوية، هو الجيل الأكثر مظلومية تاريخيا حتى اللحظة-في رأيي الشخصي، كمُختص بعلم الاجتماع-، ذالك أن النظام طُبق ولا زالت الكثير من الكتب المدرسية غير واضحة المعالم، وعلى ما يبدو ووفق ما نراقب عبر ردود فعل الطلبة على منصات التواصل الاجتماعي، فهي لم تكن واضحة منذ البداية.

روى لي الكثير من الطلبة، أنهم دخلوا المسار المهني وهم لم يكونو على إطلاع كافٍ بماهية النظام ومتطلباته، التي باتت مُرهقة للبعض.

يُعد نظام الحقول، ونظام التعليم المهني نظامين ناجحين، ولكن هل تم تكييفهما بما يناسب المجتمعات المحلية في الأردن، ربما أشك في ذالك، بدلالة أن المتطلبات المرتبطة بالمشاريع والمصاريف المرتبطة بها تُرهق البعض، ومعظم الناس في الأردن يعيشون تحت ظروف معيشية صعبة.

ولكن الأكثر أهمية، وفيما يرتبط بالعنف الجامعي، فإن حالة اللايقين تدفع بالشباب إلى الإرتماء أكثر فأكثر في حضن الهويات الفرعية-العشائر والعوائل، التي نُجلها، إلى جانب ضعف أدوات الضبط في المدرسة خصوصا.

لقد منعت وزارة التربية والتعليم، مشكورة استخدام العصا في المدارس، ولكن هل تطور نمونا الأخلاقي إلى مستوى يسمح بأن يفهم الطالب أن يحترم الحصة الصفية، ويلتزم آداب التعلم والإنصات والالتزام بما يمليه عليه المعلم؟

من خلال التجارب التي رواها البعض، هذا غير موجود، فوفقًا لمراحل النمو الأخلاقي، مُجتمعنا لا يزال في خانة الخوف من العقاب، أو السعي لنيل المنفعة، وقلما نجد أناسًا يلتزم بالقانون أو حتى يسعى أن يكون فتىً جيدًا أو فتاة طيبة، الأخيرة لا تصلح للاعتماد عليها، خصوصا في حالة فقدان المعايير الاجتماعية.

لم يكن التغيير الذي جرى مُنظمًا كفاية، حتى أن البعض تعرض إلى صدمات كبيره، سيما أولئك ممن توجهوا للحقول العلمية، كما ولم يتم تدريب مُعلمي المواد المستحدثة، والتي لا زال بعضها «لم ينشر بعد».

خلال تجربة صديق، قال لي أنه حث طلبته على الالتزام بما يبذله من مجهود ﻹرشادهم، وسط نظام بحاجةٍ لعقل مُعلمٍ يملك ناصية البحث العلمي، ويجيد قراءة وتحليل المضمون بصورة كافية، الأمر الذي يعانيه البعض ربما.

أحد المدارس دفعت طلبتها إلى نيل الرياضيات المتقدم لحقل القانون والشريعة، علمًا أن هذا الحقل هو حقل الهاربين من المواد العلمية واللغة الانجليزية، مع أن البعض يستفيد من اللغة الانجليزية في الدمج بين القانون والشريعة واللغات، لكن ما الفائدة من الرياضيات المتقدم!

أحدهم-وهذه صادفها صاحبنا كثيراً، لم يقم بتوضيح متى يختار الطالب المادة وزاريًا، ومتى يُكتفى بالنجاح المدرسي فيها.

حالة عدم اليقين تجعل الطلبة في دوامة من التساؤلات، وسط ضعف في فهم النظام الجديد عندما نسأل بعض العاملين في الميدان التربوي، إلى ذالك، لم تشهد الأردن منذ سنوات استقرارًا في نظامها التعليمي، التحديث بات بمعدل سنوي، ما يمنع ويحد من الشعور بالاستقرار.

لا شك التغيير ضرورة، ولكن التغيير السريع ليس كذالك، علينا كدولة تحديد «ماذا نريد؟»، بشكلٍ دقيق لا أن نترك الأمور على عواهنها تسير وفقما تشاء الكيفيات والشخصيات والمزاجيات، التي لا تصلح في صناعة الجيل، بل وأنها تضاعف من معاناته وتجعله في حال من التيه والضياع.

العنف لدى الشباب عموما، هو ترجمة لحالة اللايقين، وغياب الرادع والضبط الاجتماعي، وتحول مدارسنا إلى مؤسسات لرصد الحضور والغياب، مع سيطرة المنصات والبطاقات على عقول الشباب، إلى جانب البون الشاسع بين نمط التدريس في المدارس القائم على الأسئلة متعددة الخيارات، وذالك النمط الجامعي التقليدي المرتبط بالتفسير والتوضيح والشرح.

إلى جانب ذالك، تخلي الجميع عن دور الموجه، لصالح شخص واحد، هو المربي غير المُربى، فلا المعلم ولا الأب ولا الأم ولا الأكاديمي، ولا مؤسساتنا الدينية، ولا تلك التي كانت تُدعى مؤسسات التنشئة تقوم بدور الموجه، وكل منهم يرمي الحمل والعبء على الآخر، وكل منهم يرى في الآخر أنه المُقصر، حتى باتت أجيالنا هُم الضحايا لا يجدون سوى شذرات أصوات قادمة من غسق الماضي، لا تجدُ فهمًا ممن أدمن الرمي على الأخرين، ولا قناعة من جيل لم يعتد أن يسمع النصيحة من مُجدٍ خائف عليهم.

المعلم المُجد، والأب المُجد، والأم المُجدة، هم في صراع مرير مع جيل فقد الموجه زمانًا، فبات لا يكترث بصرخات من ذالك الغسق، وكل واحد يحمل مسؤولية «الضحايا» إلى الأخر.

يومًا ما كان المعلم يُحترم، ولكن اليوم فلا، وذات يومٍ كان الكبير يُحترم ولكن اليوم فلا، وكان الأب يُحترم واليوم لا، فقط المُربي غير المُربى هو الذي يُحترم، وهو مصدر القدوات، في زمن صناعة التفاهة التي نعيش.

في كل هذا الضياع تتكرر حوادث العنف، وإن كانت سمة العنف الجامعي متعلقة بالمكان، ولكن الناظر في المجتمع يجد تفنن صارخ بالعنف، وتحول مجتمعنا إلى مجرد هياكل من البشر لا تسمع إلا صوتها، لا ترى في العلم سوى مفتاحًا للوجاهة والشغل، ولا تسمع أنين العقل الذي صح فيه «إن جُن البشر، فما فائدة العقل، وهل ميزنا الله بالعقل، وأمرنا بالعمل والتعليم إلا خدمة لنا أولاً، كي نرى ثمار قلوبنا-شبابنا في أماكن متقدمة.

المعلم الجاد، كالأب الجاد، هو يحمل في قلبه شعور الأب، وفي عقله نزعة الموجه، سيما أولئك المختصين بعلمي النفس والاجتماع، وهم الأكفأ في فهم السلوك الذي يمارسه شبابنا في المدارس والجامعات على حد سواء.

أقول أن المعلم الحقيقي، هو ذالك الذي يعمل بقلب الأب وعقل الموجه، كُلاً بإختصاصه، ولكن هذا الأمر بحاجة لقنواتٍ مفتوحة من الحوار، حوارًا حقيقيا لا مراءة فيه، بين المعلمين وإداراتهم، من جهة، وبين المعلمين أيضا وأهالي الطلبة، بما يعني تفعيلاً حقيقًيا لقنوات الاتصال وأن نستمع لبعضنا البعض جميعا، ﻷننا بالنهاية نحن المعنيين في أبنائنا لا الهاتف المحمول-المربي غير المُربى.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }