عبر مسيرة الذكريات، تبرز العديد من الملامح والشخصيات والأماكن، وتبقى مناسبات الوفاء والتكريم والتقدير، وشهادات الثقة بكل معنى الكلمة والموقف؛ أطباء عرفتهم عن قرب منهم من رحل عن الدنيا وترك أثرًا طيبًا، ومنهم من ما يزال يمارس مهنة الطب المقدسة. كانت عياداتهم ملتقيات فكرية واجتماعية، إضافة إلى كونها عيادات تخصصية، وذلك بين الثمانينيات والتسعينيات. وقد كانت مفعمة بالنشاط في جبل عمّان وجبل الحسين على وجه الخصوص، ومناطق أخرى سأتناولها ضمن دائرة المعرفة الشخصية.
زهير عواد، طبيب العيون القادم من الكويتو الذي استقطب في عيادته العديد من أهل عمّان ممن عرفوه في الغربة، وكونه مدرسة يُشهد لها باستشراف المستقبل، وقد أخذها عنه نسيبه الدكتور خالد الشريف.
توفيق أبو الرب، طبيب الأعصاب، بطوله الفارع وحبه للخيول، جاور زهير عواد في عيادته، وعالج العديد من الحالات الصعبة. وعدلي دلال، طبيب الباطنية والمناضل، الذي أبعدته سلطات الاحتلال من نابلس إلى الأردن، كان نقابيًا ومثقفًا، وقد جمعت عيادته العديد من الشخصيات السياسية، إضافة إلى المرضى الذين برع في معالجتهم. وجاور عيادات الأطباء الثلاثة مختبر العارف، الذي كان يديره سمير العارف بجد ومثابرة، وتحت العيادات صيدلية وليد السيد.
يونس شناعة، طبيب الأطفال، كانت عيادته أشبه بحديقة مصغرة. كاتب ومثقف، وما إن تدخل إلى مكتبه في العيادة حتى ترى كتابًا كان يقرأه، يضعه جانبًا ليبدأ الحكاية مع الطفل، مع خفة يده في إعطاء المطعوم له.
عدنان الجلجولي، طبيب العيون، ونزار الزبدة، طبيب الأشعة، ومعالم المراجعين لعيادتهما بلهفة وسرعة، وبجانبهما صيدلية عمر الهبّاش، القريبة من متناول المراجع لصرف العلاج بسهولة ويسر.
ما تزال عيادة كل من إسحاق مرقة وأشرف الكردي (أعصاب ودماغ) في عيادات الأردن خالدة في معنى الزيارة؛ فالمراجعة لديهما كانت تجمع بين الاطمئنان الطبي وفرصة اللقاء مع الأقارب، والتحدث سريعًا عن الحال والأحوال، وبث الطمأنينة والتفاؤل بالمستقبل رغم الوجع.
إحسان الخطيب، تخصص باطنية، بأسلوبه الهادئ، نقل خبرته من وكالة الغوث إلى عيادة اتسمت بالترتيب والتنظيم. وزياد القسوس، طبيب الأسنان وبطل الرماية وعاشق الموسيقى، الذي تقاعد وأضاف هواية العسل إلى اهتماماته، إلى جانب روحه المرحة.
موسى الحموري، طبيب الأطفال القادم من مستشفيات الكويت، صديق كل طفل والقريب من الجميع، وكانت صور أجيال وأجيال من مراجعيه تتصدر أجزاء من عيادته.
داوود المحتسب وحيدر الطويل، الثنائي المرح، تخصصا في الجراحة، وسناء الحموري جارتهما في التخصص، ورفقة مستشفى البشير، رجاء الكركي، التي كانت تسبقني في الجامعة الأردنية بسنوات، والمتفوقة في امتحان الثانوية العامة، تخصصت في النسائية والتوليد والعقم وأطفال الأنابيب لاحقًا.
حسن دعنه، تخصص نسائية وتوليد، وعبد الرحمن الحرباوي، تخصص أطفال، درسا معًا في مصر، ورافقتهما رحلة الحياة والناس والمجتمع. ومن جيلهما محمد علي الجعبري وزوجته ورفيقته وفاء الأخضر، تخصص نسائية وتوليد وعقم وأطفال الأنابيب، ورحلتهما المشتركة في الحياة والعيادة، سعد جابر وينال الناصر، ممن أنقذوا قلبي وأجروا لي تجديدًا للقلب، فؤاد البطوش، وطبيبي الحالي في مستشفى الجامعة الأردنية حنا مخامرة الطبيب الأنيق والمهذب.
بالطبع، وكما ذكرت، فإن الصلة مع الأطباء، وخصوصًا الجيل الكبير منهم، لها متعة تبادل المعرفة والعلاقات الاجتماعية، ولا سيما في تخصصي الأطفال والنسائية، حيث مرت أجيال من أفراد الأسر على العيادات مهما انتقلت من مواقعها إلى رحاب المستشفيات وزحمة المراجعين فيها.
هي شهادات ثقة أعتز بنقلها لشخصيات ساهمت في بناء الأردن وتطوره، وقدمت الكثير من العطاء المخلص للمهنة والمريض، وكانت سماعاتهم ترصد الكثير من حكايات الحياة والمرض والشفاء.