في وقت تحتاج فيه الدولة إلى أعلى درجات التماسك، برزت أصوات تعيد طرح ملفات حسّاسة لطالما تجاهلتها لسنوات طويلة. فجأة يعود الحديث عن “القواعد الأجنبية” وكأنها اكتشاف جديد، رغم أن أصحاب هذا الخطاب أنفسهم أمضوا عقوداً في موقع القرار دون أن يطرحوها بالحدة ذاتها.
هذا التحوّل المفاجئ يضع أمامنا سؤالاً مشروعاً: لماذا الآن؟
لماذا يُفتح الملف في ذروة مناقشات الموازنة، وفي لحظة إقليمية دقيقة، بينما لم يكن حاضراً بنفس القوة في السنوات السابقة؟ وهل الهدف فعلاً تعزيز الشفافية أم تحريك الشارع واستخدام هذه القضايا كأدوات ضغط سياسي؟
من حق أي نائب أن يناقش ما يشاء تحت قبة البرلمان، لكن من واجب الجميع أن يلتزموا بأولوية المصلحة الوطنية وبتحمل مسؤولية الكلمة في ظرف استثنائي. فما يُطرح اليوم لا يمكن قراءته بعيداً عن محاولة رفع السقف واستثارة الشارع الأردني عبر ملفات حساسة تُفتح عادة عندما تتسع الفجوة بين الحسابات التنظيمية والمصلحة الوطنية.
ولسنوات طويلة، أثبتت مؤسسات الإخوان داخل الأردن نجاحاً تنظيمياً وانضباطاً داخلياً. لكن المشكلة لم تكن يوماً في المؤسسات، بل في المنهج السياسي الذي غالباً ما يتعامل مع الدولة بمنطق الندية والتصعيد، ويُبقي ارتباطاته الإقليمية حاضرة في لحظات يجب أن يكون القرار فيها أردنياً خالصاً.
إن الخطاب الذي يلوّح بالخطر فجأة ويُضخّم ما هو معلن وواضح في السياسة الأردنية، لا يخدم الدولة ولا المواطن. بل يعمّق القلق، ويُربك الرأي العام، ويخلق بيئة خصبة للتأويل والتشكيك. والأردن، الذي واجه التحديات بحكمة وهدوء منذ عقود، ليس بحاجة إلى أي خطاب يُستخدم لتوتير الشارع أو حشر الدولة في زاوية ردود الفعل.
إن المصلحة الوطنية اليوم تتطلب خطاباً عقلانياً ومسؤولاً، لا يفتح الملفات الحساسة انتقائياً ولا يستخدمها كورقة للمزايدة السياسية. وعلى كل من يختار هذه اللحظة للتصعيد أن يجيب الأردنيين بوضوح:
لماذا الآن؟
وما الهدف الحقيقي من إثارة الشارع في توقيت تحتاج فيه البلاد إلى تهدئة، لا إلى دفع الناس نحو القلق والارتياب؟
وسيبقى الأردن بحكمة قيادته ووعي ابناءه أكبر من أي حسابات تنظيمية، وأقوى من أي محاولات استثمار سياسي عابر. وما نحتاجه اليوم هو خطاب وطني صريح يعزز الثقة، لا خطاب يزرع الشكوك ويُوظّف اللحظات الحرجة
لغايات لا تخدم استقرار الوطن .
- رئيس الجاليه الاردنيه بريطانيا