بدعم وتشجيع ملكي قوي ازدهرت منذ منتصف الثمانينيات
النهضة الطبية في الأردن وبدأت قوافل المرضى العرب بالتوافد لعاصمتنا بشكل خيالي
ومنحوا ثقتهم لأطبائها وللتجهيزات الحديثة المتقدمة التي استحوذتها بعض
مستشفياتها ففرضت عمان نفسها كالمركز الاقليمي الأول في استقطاب المرضى
العرب .
السياحة الطبية هي بمعنى الكلمة بزنس يحتاج لعدة ظروف معينة لكي تتمكن من
الاستمرارية أهمها الجودة والتنافسية والاحترام والمعاملة الحسنة لكن
النقطة الحيوية تتمثل بالمحافظة على معادلة معتدلة بين الجودة
والكلفة .
ووصلت سياحتنا الطبية لأوجها في التسعينيات لكن هل حافظت بالفعل على
مجدها أم أنها بدأت تدريجياً بالانحسار أو لربما الاضمحلال ؟
تكاثرت الأقاويل وعناوين الصحف المحلية والعربية منذ عقدين من الزمن حول وجود
ظاهرة استغلال للمرضى تتكاثر بقوة ولا من يراقب ولا من يعاقب .
كفانا يا سادة الفضيلة نصائحكم الملغومة بأنه من المحرمات الحديث عن
ممارسات بعض الأطباء والمستشفيات بحجة عدم نشر غسيلنا الوسخ على أسطح
الجيران فتواصلت الألاعيب في الظلام وإذ بنا نصحو وقد حزموا أمتعتهم
وغدونا بلا جيران .
ما الذي جرى ؟ أهل نلوم المريض الوافد إن ساورته الشكوك وهو يطالع بأن وزارة الصحة الأردنية قامت وبيوم واحد بإغلاق عشرات مراكز ليزر غير مرخصة
فكم من بينهم تعرضوا للمضاعفات الجسدية والاستغلال المادي من جراء فوضى غير
مقبولة في الممارسة لكن هل توقفت هذه الفوضى منذ ذلك الوقت ؟
كيف يمكننا إقناع المريض العربي بأننا نمارس المهنة بمثالية عالية عندما
يطالع بأن لجنة وطنية لتشجيع السياحة العلاجية شكلتها وزارة التخطيط عام 2004
بمشاركة كافة الجهات الصحية بعد افتتاح وزارة الصحة عام 2002 لمكتب رعاية
للمرضى في المطار تحوّل تدريجياً ليصبح مكتب خدمات خاصة لبعض الأطباء
والمستشفيات فكان استنتاج اللجنة بأنه تمارس بين جدران المكتب تجاوزات
وعمولات وعمليات استغلال للمريض ؟
السؤال الذي يطرح نفسه لماذا غابت الوزارة والنقابة عن الميدان طوال هذه السنوات
واكتفت بالبقاء في منصة المتفرجين فهل كانت لسياحتنا العلاجية أن تتبخر
تدريجياً لو ضربت بسوطها مبكراً وردعت المتجاوزين ؟
لقد كان لظهور أسواق علاجية رديفة التأثير السلبي الكبير على سياحتنا
الطبية وبكلفة أقل
مثل تركيا
. وها هم أصدقاؤنا في الخليج قد غيروا بوصلتهم لبلدان شرق
اَسيا المشهورة بمستواها وبقلة كلفتها فهل نحن بحق قادرون على منافستهم عندما
يذهب المريض الأمريكي مثلاً نتيجة طول الانتظار للهند لإجراء عملية قلب بأقل من
عشرين ألف دولار شاملة الرحلة والإقامة بينما يصيبنا الذهول عندما تصرح هيئة مسؤولة
كبرى وبافتخار
بأنه قد تم علاج مائة جريح يمني بكلفة 15 مليون دينار أي ما يعادل 210 الاف دولار
للمريض الواحد فهل صدفة أن تضمحل مواردنا وتشح أفواج مرضانا ؟
وحتى نكون واقعيين علينا الاعتراف بأن السياحة الطبية الأردنية لم تكن يوماً سياحة وطنية بل انتقائية لبعض المؤسسات التي نشرت مكاتب استقطاب في بعض العواصم
لمصلحتها الفردية ولمصلحة المساهمين بها والمرضي عنهم من الأطباء مستثنيين قدرات
رفيعة لا تسير مع التيار .
لقد أغمضنا عيوننا طوال عقدين ورضخنا لتصريحات مفادها أننا نستقطب
سنوياً ربع مليون مريض تنخفض أحياناً حسب المزاج لمائتي ألف ومن ثمانين دولة ويا للهول ونجني سنوياً وبنجاح 1.2 بليون دولار .
أرقاماً مفرحة بالتأكيد لو أعلمونا فقط مصدرها حيث أننا لم نسمع يوماً عن
دراسة شاملة
واحصائيات رسمية من وزارتي الصحة والسياحة المؤسستين الوحيدتين المخولة بالحديث
عن أمور وطنية بهذه الأهمية ؟ أرقاماً لم تتأثر بإغلاق مطارات اليمن
والسودان وليبيا نتيجة
الحروب ولا بمحنة الكورونا ولا بحرب غزة .
كم كانت سعادتنا لا توصف لو حظينا باستقطاب هذه الأرقام فكانت ال 374
عيادة التي أغلقت
بعام واحد في شارع الخالدي ما تزال تنبض بها العروق وكبرى مستشفيات عمان التي بيعت
بالمزاد ما تزال تواصل العطاء والمستشفيات الأخرى التي تمر اليوم بمرحلة
النزاع الأخير قد
تفادت المصير الأسود .
بالله عليكم أرفقوا بعقولنا وخذونا بجولة لشارع ابن
خلدون علنا نصادف مريضاً وافداً لنلتقط معه صورة نلصقها بألبوم الذكريات ؟
هل يعني ذلك بأننا غدونا خارج الحلبة وأطلقنا بأيدينا الرصاص على فؤاد هذه
السياحة ؟ الجواب بالتأكيد بلا إن فرضنا الممارسة الشريفة للمهنة على الأطباء
والمستشفيات ونبذنا الاستراتيجية المبغضة الحالية والكلفة الخيالية للبعض
وبقي هدفنا
الوحيد مصلحة المهنة والوطن علنا نستعيد شظايا من أمجاد الماضي .