شكّل مقتل ياسر أبو شباب، قائد ما عُرف بـ"القوات الشعبية" المدعومة إسرائيلياً، أكثر من مجرد حادث أمني أو خلاف داخلي دموي؛ لقد كان حدثاً يحمل رمزية عميقة ودلالات استراتيجية تتجاوز الشخص نفسه، وتمسّ جوهر السياسات الإسرائيلية في غزة، لا سيّما تلك القائمة على صناعة "عملاء ووكلاء محليين" وميليشيات تعمل خارج البنى الوطنية والاجتماعية الفلسطينية.
برز اسم ياسر أبو شباب خلال عام 2025 كأحد أبرز الوجوه التي راهنت إسرائيل عليها في جنوبي غزة و قدّم نفسه كقائد ميليشيا مناهضة لحماس في رفح، وجمع حوله عناصر قبلية ومجموعات مرتبطة بمصالح مباشرة مع الاحتلال، مستنداً إلى دعم عسكري ولوجستي إسرائيلي، وإلى فراغ أمني خلّفته الحرب. لكن الرجل لم ينجح في تحويل هذا الظهور المفاجئ إلى شرعية اجتماعية؛ فأساليب جماعته والاتهامات الموجّهة لها بالنهب والتعاون مع الاحتلال جعلت اسمه مرتبطاً بالفوضى، وعندما جاءت لحظة مقتله، تعدّدت الروايات بين خلاف داخلي، أو كمين، أو تصفية حسابات، لكنّ القاسم المشترك بينها كان غياب أي حماية حقيقية له، لا حماية من جماعته، ولا من إسرائيل، ولا حتى من البيئة القبلية التي سارعت إلى إعلان البراءة منه بوصفه "صفحة سوداء" ووصمة عار في تاريخها.
يؤكّد مقتل أبو شباب حقيقة سياسية واضحة مفادها أنه لا يمكن بناء سلطة بديلة في غزة عبر ميليشيات صغيرة ومتناقضة أو قائمة على مصالح عابرة ترتبط بالمحتل. فقد مثّل الرجل نموذجاً مصغّراً لرهان إسرائيلي قديم–جديد يقوم على صناعة وكلاء محليين لتنفيذ مهام سياسية وأمنية كبيرة دون قاعدة شعبية أو شرعية وطنية، وسقوط هذا النموذج بهذه الطريقة المذلّة لأحد أبرز رموزه يعني عملياً سقوط الفكرة برمتها.
أما الحقيقة الثانية التي أعاد هذا الحدث تثبيتها، فهي قاعدة يعرفها الفلسطينيون ويؤمنون بها منذ عقود الا وهي ان العميل قد يعيش محمياً لفترة، لكنه في النهاية بلا ظهر، ولا مستقبل، ولا إرث—ومآله مزبلة التاريخ، وهذا درس اذاقه الفلسطينيون للعملاء على قلتهم نسبيا منذ قيام الاحتلال عام 1948 الا ان الاحتلال مازال مصرا على اللجوء له وبشكل ساذج مع نموذجَي أبو شباب والدهيني وغيرهما من المنبوذين.
ومقتل ابو شباب يثبت أن الاحتلال لم يتعلم من دروس الماضي مع عملائه، سواء في فلسطين أو في لبنان، وتحديداً نموذج "أنطوان لحد" في جنوبي لبنان. فإسرائيل لطالما حاولت استنساخ "جيش لحد" في أي ساحة عربية تفرض عليها السيطرة، لكن ما لا تستوعبه—على ما يبدو—أن هذا النموذج لا يعيش ولا يستقر خارج سياق وطني داخلي، حتى لو كان هذا السياق هشّاً أو ضعيفاً.
ومن حادثة أبو شباب، يمكن لإسرائيل أن تتعلم الآتي:
1. الولاء المادي لا يصنع شريكاً موثوقاً؛ فهو ولاء مؤقت، هشّ، وينتهى سريعا.
2. القبيلة ليست بديلاً عن الشرعية الوطنية؛ والرهان على الانتماءات القبلية لإعادة تشكيل الأمن في غزة أو الضفة ثبت أنه قراءة سطحية للواقع الفلسطيني.
3. صناعة بديل لحماس ليست خطوة تُنجز بين ليلة وضحاها؛ فالحركة متجذّرة اجتماعياً، ومرتبطة ببنية أهل غزة منذ عقود.
4. العملاء يخلقون الفوضى بطبيعتهم، وهذا يعزّز نبذهم اجتماعياً. وقد أثبت العقل الجمعي الفلسطيني نجاحه الدائم في عزل هذه النماذج أو التخلص منها.
والسؤال الذي يفرض نفسه بعد مقتل أبو شباب هو:
إذا كان أكثر "العملاء" قرباً من الاحتلال انتهى بهذه الصورة الدراماتيكية، فكيف بالبقية؟
إنها رسالة صريحة للبديل "الساقط المتصهين" غسان الدهيني.
لم يكن أبو شباب قائداً كبيراً، ولا صاحب مشروع سياسي؛ كان مجرد عميل مأجور حاولت تل أبيب استثماره وتسويقه ليكون مشروعها المضاد لإفشال أي مشروع وطني فلسطيني في غزة. وبعد سقوط تجربته، فان على الاحتلال ادراك أن الحل لا يمكن أن يُبنى عبر ميليشيات عميلة، بل عبر مسار سياسي حقيقي، واعتراف بالواقع الاجتماعي والوطني الفلسطيني، الذي أثبت أنه لا يُدار إلا بأدوات فلسطينية وطنية تمتلك شرعية شعبية.