تشكل مدينة عمرة نموذجًا فريدًا للمدن الذكية ، جاءت خلاصة للفكر الملكي الثاقب، الذي يوجه المملكة نحو التطور والابتكار المستدام، كما أُشير إليه في الورقة النقاشية السابعة. ويبرز في هذا المجال اهتمام سمو ولي العهد بالتعليم التقني، بما يحقق توجيه العقول والطاقات البشرية نحو الاستثمار الأمثل في خدمة الوطن، وتنشئة جيل قادر على مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين. كل استثمار هنا يهدف إلى تحقيق أثر ملموس على التعليم والمجتمع والاقتصاد، ويضع الأردن في مصاف الدول الرائدة في دمج التعليم بالتقنية والابتكار والاستدامة.
إن إنشاء جامعة ذكية في عمرة ليس مجرد مشروع أكاديمي، بل استثمار استراتيجي واعي و متعدد الأبعاد، يعيد تعريف دور الجامعات التقليدية. فالجامعات الذكية تتحول إلى محرك للإبداع، وحاضنة للبحث التطبيقي، ومختبرات حية لصناعة المعرفة، حيث لا يكتفي الطالب بحفظ المعلومات، بل يتعلم تحليلها، توظيفها، وإنتاج حلول جديدة للمشاكل الواقعية والمعقدة التي يواجهها في المجتمع وسوق العمل.
تظهر التجارب الدولية، من سنغافورة إلى أوروبا ، أن التحول إلى الجامعات الذكية لا يعزز جودة التعليم فقط، بل يخفّض النفقات التشغيلية بنسبة قد تصل إلى أكثر من 30%، ما يتيح إعادة توجيه الموارد لدعم البحث العلمي، وتطوير المختبرات، وتمكين الطلبة المتميزين، وربط البرامج الأكاديمية مباشرة باحتياجات الاقتصاد الرقمي و الاقتصاد الأخضر. هذه التحولات تؤكد أن الاستثمار في التعليم الذكي هو استثمار مباشر في القدرة التنافسية الوطنية ويرفع مكانة الأردن بين الدول الرائدة في المعرفة والابتكار.
في عمرة ستخلق الجامعة الذكية بيئة تعليمية متكاملة، حيث يعيش الطالب يوميًا مع مفاهيم الاستدامة، إدارة الموارد، والتكنولوجيا الحديثة ، بعيدًا عن المنهج الجامعي التقليدي الجامد. الحرم الجامعي سيكون المسرح الذي يزرع الانتماء الوطني ويعزز روح الابتكار، ويحوّل التعلم إلى تجربة تطبيقية تربط المعرفة بالحياة العملية، وتقوي مهارات الطلبة في مواجهة تحديات الاقتصاد الرقمي المتسارع. كما توفر البيئة الذكية للطلبة التفاعل مع مشاريع ريادية ومبادرات ابتكارية، وتحفزهم على توليد أفكار قابلة للتطبيق.
التحول التدريجي إلى الجامعة الذكية يمكن أن يبدأ من رقمنة الخدمات الأكاديمية، تحديث البنية التحتية، إنشاء مختبرات افتراضية، تدريب الكوادر الأكاديمية على أساليب ومهارات التعليم الحديثة، مع إقامة شراكات استراتيجية مع القطاع الخاص والمؤسسات الدولية. تجعل المشروع مستدامًا وفاعلاً، وتضمن استمرار الأردن في مسار التنمية المستدامة وتحقيق أهداف رؤية الدولة في التعليم والمعرفة والاقتصاد الأخضر.
إن دعم المسؤولين، والأكاديميين، وأولياء الأمور، والطلاب لهذا المشروع يمثل التزامًا جماعيًا بأن التعليم ليس قطاعًا خدميا فحسب، بل رافعة لصناعة المستقبل..
في النهاية، الجامعة الذكية في عمرة ليست مجرد مؤسسة تعليمية، بل مشروع وطني متكامل يربط التعليم، الاستثمار، الابتكار، والتنمية المستدامة، قادر على إطلاق طاقات الشباب وبناء مجتمع معرفي مزدهر.