في كل مرة نتحدث فيها عن الجامعات الأردنية، نصطدم بحقيقة يعرفها الجميع ولا يقولها أحد بصوت عالٍ: جامعاتنا لم تعد كما يجب أن تكون. ليست المشكلة في الطلبة، ولا في الأساتذة، ولا في الإدارات وحدها المشكلة الحقيقية في غياب الرؤية بعيدة المدى التي تجعل الجامعات مؤسسات تصنع المستقبل، لا تستهلكه.
في دول كثيرة، الجامعات هي محرّك التنمية، مصنع الأفكار، وبيت الخبرة الأول للدولة. أما في الأردن، وبرغم كل ما نملك من عقول لامعة، ما زلنا نراوح في مكاننا لأننا ندير الجامعات بمنطق اليوم بيومه، وليس بمنطق الحوكمة، الابتكار، والجرأة في اتخاذ القرار.
نحتاج اليوم إلى لحظة صدق جماعية نعيد فيها تعريف سؤال بسيط: ماذا نريد من جامعاتنا؟
هل نريدها مجرد بنايات مكتظة؟ أم نريدها منصات تغيير تنتج بحثًا، وتستقطب طلابًا من الإقليم، وتواكب العالم بدل أن تلاحقه؟
الجواب واضح لكن الطريق يحتاج إلى ثلاثة تغييرات أساسية:
أولًا: مجالس أمناء فاعلة لا شكلية.
مجالس الأمناء ليست ديكورًا فوق الهرم الإداري. وظيفتها أن تراقب، تحاسب، وتُوجّه الرؤية الاستراتيجية. عندما تكون المجالس مكوّنة من أشخاص لديهم خبرة حقيقية في الحوكمة، الامتثال، المخاطر، التمويل، والتطوير عندها فقط تبدأ الجامعات بالتحرك في الاتجاه الصحيح. نريد مجالس تفكر، لا مجالس تجتمع فقط.
ثانيًا: جامعة تتنفس نزاهة.
النزاهة ليست شعارًا. هي منظومة تبدأ من آلية التعيين والترقية، مرورًا بالمناقصات، وصولًا إلى التعامل مع الطالب كإنسان يستحق العدالة. أي خلل صغير في هذه المنظومة يُكلّف الجامعة سمعتها، والسمعة اليوم أغلى من أي بناء أو مختبر.
ثالثًا: ثورة تعليمية لا إصلاحات تجميلية.
العالم يتغير بسرعة: الذكاء الاصطناعي، التعليم الهجين، الاقتصاد الرقمي بينما نحن ما زلنا نتعامل مع التعليم الجامعي بمنطق تقليدي. المطلوب جرأة تسمح للجامعات أن تتقدّم، لا أن تخاف من التغيير.
الخبر الجيد أننا لا نبدأ من الصفر؛ لدينا جامعات محترمة، وكفاءات مبهرة، وبيئة آمنة، وطاقات شبابية تحلم. ما نحتاجه هو أن نمنح الجامعات حرية التفكير، وجرأة التغيير، وحوكمة تحمي القرار.
مجرد سؤال بسيط يفتح الطريق:
هل نريد جامعات تخرّج موظفين أم جامعات تصنع قادة؟ فالأردن يستحق الخيار الثاني.