((أنا وحاييم)) للحبيب السايح.. ذاكرة وطن بجروح لا تندمل

تاريخ النشر : الجمعة 11:54 21-11-2025

صدرت رواية «أنا وحاييم» للروائي الجزائري الحبيب السايح سنة 2018 عن منشورات ميم بالجزائر ووصلت للقائمة الطويلة لجائزة البوكر سنة 2019، وفي هذه السنة 2025 صدرت الرواية في طبعتها الرابعة عن منشورات مسكلياني بتونس.

هذا العمل الأدبي إضافة لكونه مكتوبا بجمالية ولغة محكمة، يجعلنا أيضا أمام واقعة سردية ماتعة وقويمة تركيبا، ومفيدة تاريخيا، إذ إنّه عمل يقدم الثورة الجزائرية من منظور الفهم والنقد. ستتلامس الأحداث مع صورة هذا الوطن الجريح من تاريخه ومما حدث له بعد الاستقلال، وتأتي الثورة بمفهوم أعمق، فبين أخوّة أرسلان وحاييم نعيش صورة إنسانية بديعة وأليمة.

منذ بداية الرواية نتابع حياة الطفلين أرسلان وحاييم، بعالمين مختلفين من حيث التكوين المادي والمعنوي للعائلتين، لكنّ الصداقة جعلت منهما يعيشان أجمل لحظات الحياة في خضم استعمار غشيم لا يبدو أنّه ينتهي، فأرسلان كمسلم وابن محظوظ، تمكّن بيُسر عائلته من الدراسة في وقت مبكّر وحصل على ميزات عديدة، أمّا حاييم فيهودي وعائلته فقيرة استطاع الدراسة أيضا ولكن بمعنويات أقل، من هذا التباين سيلتقي طفلان حالمان للحياة، فأسوأ ما يمكن أن يتخيلاه آنذاك هو دوام الاحتلال، ولكنّ المستقبل حضّر لهما صورة مختلفة، لن نقول نهاية سعيدة ?المطلق ولكنها شكل مغاير مما يمكن تسميته الهناء باستقلال طال انتظاره.

سنتابع شكل الحياة حينها وكل التمييز الذي كان يعاني منه الجزائريون أو من يسميهم الفرنسيون «الأهالي»، فكل الحقوق مهدورة وكل شي مستلب، نلمس كل هذا في خضم الحياة اليومية لأرسلان وحاييم.

ستبقى صورة النضال راسخة في ذاكرة كلّ من البطلين، لأنّ الحبّ الذي يكنّه كلّ منهما لهذا الوطن كبير، فرغم الاختلاق العقائدي والديني نجد تكاملاً في النظرة لما يجب أن يكون عليه الوطن، وإذ بهما يناضلان منذ الصغر وفي الجامعة ضد كل أشكال التمييز والاستغلال، فيما سيلتحق أرسلان فيما بعد بالثورة سيقدّم حاييم كلّ قدرته لمساعدة هذه الثورة بالخصوص صيدليته التي ستكون ملجآ للثورة وتمويلا خفيّا بالأدوية للثوّار. كان بإمكانه أن يتخذ مسارا مغايرا ويتجه لدائرة السلطات الفرنسية ويعيش حياته، ولكنّ حبّ وطنه وتعلّقه بها جعله يناض? من أجل الاستقلال، وإذ بنا نستذكره قائلا في صغره: «ليس هذا فقط، فجذورنا من هذه الأرض». هذا يتيح لنا سؤالا جوهريا أيضا، أيملك حاييم حق العيش في وطنه بعد الاستقلال وهو يهودي؟ لعلّ الجواب يبدو مركّبا، فهو الذي ناضل بكل شيء وحتى عندما جعلته حبيبته أمام الأمر الواقع بالسفر لأوروبا وزواجهما، قرّر البقاء في الجزائر والتخلّي عن حبّ حياته، فيستحقّ إذن أن يعيش معززا مكرما في بلد ساهم في تحريره، ولكنّ قدره كان مؤسفا فما عاشه بعد الاستقلال كان رهيبا وصورة مستبدة.

لقد حاول أرسلان في كل مرة، وهو المجاهد المعروف حينها ورئيس بلدية، أن يساعده ويدافع عنه، ولكنّ المسار الذي انتهجته هذه القضية كان جازما ومجحفا بصورة ما.

لقد استطاع أرسلان أن يبقى وفيّا لمبادئ الثورة التحريرية، إذ إنه حاول أن يقيم نفس المواثيق والعهود في جزائر ما بعد الإستقلال، لكنّ الجماعة التي دخلت البلاد بقوّة العسكر جعلت من ذلك مستحيلا، إذ إنّها أسّست لسلطوية جديدة، نافية بذلك بلد الحريات والتعدّد والديموقراطية التي تعاهد عليها الشهداء والثوّار، ففي اجتماع أرسلان مع مسؤول الحزب وأعضاء الولاية يقاوم قائلا: «كيف يدري من لم يخض الحرب هنا في الداخل ومن لا يملك كفاءة ولا معرفة لمواجهة ما ترتّب عن مغادرة الأوروبيين، ليس في المزارع وحدها ولكن في القطاعات كلّها?، وهذا استنادا لكون هذا المسؤول ممن لم يخوضوا حرب التحرير وكانوا متمركزين في الحدود، ولكن انقلابهم على الشرعية الثورية وما أقرّته الحكومة الجزائرية المؤقتة جعل منه وأصحابه، الآمرين والناهين على كل شيء، يستطرد هذا المسؤول رافعا الجلسة: «نحن الذين نكتب تاريخ هذا البلد، ونحن الذين نقرر مستقبله كما نقرر رفع هذه الجلسة».

هذا الخطاب نموذج مهم لفهم العقلية التي جاءت بها الجماعة المقصودة من طرف أرسلان، وفي الحقيقة هي جماعة وجدة، وما يهمّنا هو تفكيك صورة هذا النموذج الذي أسّس للدكتاتورية والرأي الواحد، لأنّه يمكن أن نقول إنّه بعد استقلال الجزائر ستبني هذه الجماعة نظاما سياسيا مبنيا على الإقصاء، ونرى هذا جليّا في عدد الثوار والآباء المؤسسين لثورة التحرير الذين تم نفيهم، سجنهم أو متابعتهم، وحتى إنه تم اغتيال الكثير منهم لأنّهم لا يخدمون مصالح هذا النظام السياسي الجديد، وسيبرز هذا أيضا عندما يقول أرسلان: «أعتقد انّ العسكر لن يسلّ?وا، منذ اليوم، السلطة لغيرهم»، وكان كل هذا المنوال الذي عاشته البلاد منذ الاستقلال لغاية اليوم.

الخيبة التي عاشها أرسلان بعد الاستقلال عظيمة، فميثاق الثورة تمّ تمزيقه، واندلعت حرب بين إخوة الأمس وثارت خصومات جعلت من مشروع بناء الدولة محصورا في جماعات معينة، ولعلّ هذه الخيبة قد عاشها كل المجاهدين الذي حلموا يوما بوطن يتّسع للجميع. أمّا حاييم في رسالته الأخيرة لأرسلان يودّع: «سأرحل قريبا عن هذه الدنيا وفي قلبي حبّ عظيم لك ولأهلنا وبلدنا»، رسالة تكفي لوصف شعور الانتماء الذي كان يكتنفه.

"أنا وحاييم» رسالة إنسانية واضحة، وتقرير عن تاريخ ثوري مشترك ومركّب، ونقد سياسي لمرحلة ما بعد الاستقلال. مع كل هذا قدّم الروائي عملا سرديا متكاملا وأسئلة تبدو ملغّمة لأنّها مرفوضة في المخيال الشعبي الوطني.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }