بالنسبة لمستقبل العلوم الانسانية الرقمية فيمكننا لغاية الآن الاعتماد على النتائج التي تقدمها وما هي المساهمة الدائمة التي يمكن أن تقدمها للعلوم الانسانية بوجه عام، وهل ستنجح العلوم الانسانية الرقمية في المستقبل،وهل سيتحول الناس الى القطاع الخاص وتنفجر فقاعة العلوم الانسانية الرقمية؟ علما بأن العلوم الانسانية الرقمية تشمل المصطلح المنهجي للمجموعات والأشياء الرقمية،اضافة الى تطوير عمليات التقييم والاستخدام بمساعدة الكمبيوتر للبحث والتدريس في العلوم الانسانية والثقافية.
لقد أتاح التطور في المصنوعات الحاسوبية ووسائل التواصل الاجتماعي والبنية التحتية للشبكات فرصة فريدة لفهم واستكشاف العلوم الانسانية في القرن الحادي والعشرين. وقد أدت رقمنة المعرفة والتقاليد والتراث والثقافة وأشكال التعبير في العالم الى تحول سريع في نظام العلوم الانسانية والاجتماعية. كما يعمل العلماء والباحثون والأكاديميون على معالجة رؤى وخرائط طريق مستقبلية ونقاط عمل جديدة للوصول الى هذا الانتاج الجديد للعلوم الانسانية وتقييمه. كما أن العلوم الانسانية الحاسوبية الرقمية Computational Humanities) (Digitalهي المجال الجديد الذي ظهر حديثا والذي يقع عند تقاطع أبحاث العلوم الانسانية ومحو الأمية الرقمية والعلوم الحاسوبية. وتؤدي عملية الرقمنة الى توليد كميات كبيرة من البيانات،كما أن المرء بحاجة الى أدوات حاسوبية مكثفة لفهم هذه البيانات. ولذلك فان المؤسسات المختلفة والمعنية بهذا الأمر والتي تعتمد على تلك البيانات وترغب في التفوق في مجال العلوم الانسانية الحاسوبية الرقمية لهي بحاجة لخارطة طريق جديدة تتمكن من خلالها السير قدما في تحقيق أهدافها الآنية والمستقبلية،كما وهي بحاجة الى تشكيل فريق متعدد التخصصات من الخبراء المؤهلين لذلك من أجل العمل على تطوير نماذج جديدة متعددة التخصصات لحل مشكلات العلوم الانسانية الحاسوبية الرقمية وكاتجاهات مستقبلية.ّ ولأن العلوم الانسانية الحاسوبية الرقمية بحاجة الى معالجة التطور والطلب المتزايد باستمرار في مجال العلوم الحاسوبية ونظرية الشبكات الاجتماعية ومحو الأمية الرقمية والحاسوبية والتربية الحاسوبية،اضافة الى التعلم الآلي والعميق والتعلم والتحليل العصبي والمعرفي، لان هذه تعتبر من المكونات الحيوية للعلوم الانسانية الحاسوبية الرقمية.
والسؤال الآن هو :- ما هو مستقبل العلوم الانسانية الرقمية في العلوم الانسانية؟ هل هناك حاجة الى تحول منهجي رقمي في التاريخ والعلوم الانسانية؟ هل يؤدي هذا الى خلق معرفة تقنية مبتكرة أو قيمة مضافة لا يمكن تحقيقها الا من خلال المصادر المتاحة رقميا؟ وبالتالي سوف تستمر العلوم الانسانية في التطور في سياق التقدمي الرقمي، كما يجب أن يتعامل التحول الرقمي مع ما يلي:-
*أن تتوفر المزيد والمزيد من المصادر التناظرية رقميا أيضا. * يتم العثور على المعلومات وادراكها من خلال وساطة الذكاء الاصطناعي. *تعمل الأساليب الرقمية على جلب أشياء جديدة الى بؤرة التركيز في البحث. *يمكن استخدام أساليب علم البيانات في مواضيع العلوم الانسانية مثل الترجمة وفهم النصوص وتفسير الصور. * تواجه الأساليب القياسية من مجالات البحث في الذكاء الاصطناعي صعوبة في مواكبة التعامل مع موضوعات الأبحاث الانسانية. *لا تزال بيانات العلوم الانسانية غير ممثلة بشكل كاف في هذه المجالات.
لذلك يجب أن يكون هناك فهم جديد للعلاقة بين الانسان والآلة. ومع مرور الزمن فقد تداخلت تكنولوجيا المعلومات وعلوم الكمبيوتر مع العلوم الانسانية بشكل متكرر. وتعد التطورات في مجال علم البيانات والتعلم الآلي والذكاء الاصطناعي هي الأحدث في هذا السياق. ان حقيقة الترابط بين العلوم الانسانية وعلوم الكمبيوتر يوفر دوافع بحثية مهمة يمكن اعتبارها انسانية حقيقية. ومن أجل الحفاظ على تماسك النص المعروف في علم اللغويات النصية،تم تطوير تقنيات مثل الشبكات العصبية المتكررة وخوارزميات الذاكرة طويلة أو قصيرة المدى أو هندسة المحولات في مجال البحث في معالجة اللغة الطبيعية التلقائية (N L P –Natural Language Processing) وهكذا أصبحت العلوم الانسانية وعلوم الكمبيوترمترابطة معا. وفي هذا السياق يمكن التنويه الى أن علماء العلوم الانسانية اذا لم يكونون واثقين من استخدام أساليب البحث والمعرفة العلمية الرقمية، فلن يكونون أيضا قادرين على صياغة متطلبات البيانات المفتوحة واستخدام الأساليب الرقمية، كما أنه سوف لا يستطيعون وصف الاختلافات في المعرفة المكتسبة من الأبحاث القائمة على البيانات الرقمية والأساليب الرقمية أو غيرها،مقارنة بالأبحاث غير الرقمية. وبالمقابل اذا لم يواجه علماء الكمبيوتر هذه المهمة،على سبيل المثال:- توليد نصوص مترجمة بشكل مفيد ولم تكن لديهم بيانات نموذجية في شكل مجموعات متوازية (Parallel Corpora) متعددة اللغات كأساس بيانات تم التحقق منه،فلم يتمكنوا هنا وبكل تأكيد من تطوير خوارزميات مناسبة.
وبالنسبة لمستقبل التكنولوجيا الرقمية فانه يعد مليئا بالامكانات الثورية التي ستغير جوانب حياتنا بشكل جذري. وفي السنوات القادمة من المتوقع أن يستمر تطور الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي ليصبح أكثر تطورا،حيث سيساعد في اتخاذ القرارات التجارية والصناعية والطبية وتحسين التعليم.
ونطرح هنا في هذا السياق بعض السيناريوهات التي يمكن أن تقف فيها العلوم الانسانية الرقمية بحلول العشرة الى العشرين سنة القادمة، وذلك كما يلي:-
السيناريو الأول:- حلول العلوم الانسانية الرقمية محل العلوم الانسانية ككل:- وقد تكون هذه لبعض المهتمين ضرب من الخيال(يوتوبيا) وللبعض الآخر شيء من الحقيقة وحدة التبصر (ديستوبيا). فاذا حلت العلوم الانسانية الرقمية محل جميع البحوث (التقليدية) أو (التناظرية)،فهذا لا يعني أن الناس يستخدمون الجزء القياسي من البرامج التجارية المتاحة أو هواتفهم الذكية لدعم أبحاثهم. وقد أصبح في وقتنا الحاضر كل عالم وباحث في العلوم الانسانية عالما وباحثا في تكنولوجيا المعلومات أيضا. وقد استحوذت العلوم الانسانية الرقمية بالفعل على كافة العلوم الانسانية، مما أدى الى تغييرها الى حد كبير،وكانت النتائج التي تمخضت عنها المقاربات الرقمية في العقدين الماضيين ساحقة للغاية. وكان الدعم من مؤسسات تمويلية معنية بالأمر قويا جدا. اضافة الى ممارسة الضغط على الباحثين،لدرجة أن مشهد العلوم الانسانية قد تغير بشكل كبير بعد «التحول الرقمي». ويعتبر البحث التناظري(Analogue Research)مكانا مناسبا،فقد أصبحت كافة العلوم الانسانية (رقمية(
السيناريو الثاني :- بقاء العلوم الانسانية الرقمية في العقدين المقبلين مجال بحث هام لدى العلماء المعنيين سواء في القطاع الأكاديمي أو غيره.
وهنا يمكن أن تتحول العلوم الانسانية الرقمية مع مرور الزمن الى مساعدة تقنية المعلومات للباحثين في العلوم الانسانية،ومع ذلك فقد يفقدوا حماستهم الابتكارية وبدلا من ذلك فقد يصبحوا نظاما مساعدا راسخا. فعندما يحتاج مشروع بحثي كبير الى دعم تكنولوجيا المعلومات،فان العلوم الانسانية الرقمية ستكون هنا مطلوبة،ويقومون ببناء قواعد البيانات وتطوير الأدوات وتنظيم مواقع الويب والوصول الى كميات كبيرة من البيانات على الويب، وبنفس الطريقة التي يستشير بها المرء خبيرا في مجال الدبلوماسية عندما يتعامل المرء مع المواثيق الدبلوماسية، أو خبير نقود اذا تعلق الأمر بالعملات المعدنية ذات أهمية. كما أن الانسانيون الرقميون يشاركون كلما دعت الحاجة الى النظر في أسئلة معقدة تتعلق بتكنولوجيا المعلومات، وبغض النظرعن ذلك فلا يسمع المرء عنهم سوى القليل في بقية العلوم الانسانية. كما أنهم يقومون بعمل أبحاثهم ويعقدون مؤتمراتهم الخاصة بهم،ولكن الى حد كبير يعتبرهم الباحثون ومؤسسات التمويل كمقدمي خدمة ليس أكثر فقط.
وعلى الرغم من التاريخ الطويل للعلوم الانسانية الرقمية فلا يزال ينظر اليها كتخصص أكاديمي ناشئ نسبيًا، وله العديد من الآثار على تطوره المستمر وقبوله. ولفهم دوره في دعم تطور هذا المجال وقبوله، أجرت لجنة البحوث الاجتماعية والإنسانية استطلاعًا لمجتمع العلوم الإنسانية والاجتماعية الأوسع لفهم القضايا المتعلقة بتطوير العلوم الإنسانية الرقمية وقبولها، وأنواع الأنشطة التي ينبغي تمويلها. أشارت نتائج الاستطلاع إلى وجود ما يدعو للتفاؤل بشأن القبول المتزايد للأساليب والموارد والأدوات الرقمية والنشر الإلكتروني، حيث يستخدم المعلمون والباحثون والطلاب وينشرون في المنافذ الرقمية، ويبتكرون ويوظفون الموارد والأساليب والأدوات الرقمية، ويخوضون غمار مجالات بحثية جديدة. من المرجح أن يستمر هذا التوجه مع استمرار الطلاب والباحثين الشباب في تبني التكنولوجيا الرقمية في جميع جوانب حياتهم الشخصية والمهنية. ومع ذلك، ينبغي التخفيف من هذا التفاؤل إلى حد ما، إذ لا يزال الطلاب وأعضاء هيئة التدريس الجدد أقل ميلاً من الأساتذة المساعدين لعرض ونشر أبحاثهم ذات التوجه الرقمي، وذلك لأسباب متعددة. ويمكن لأعضاء هيئة التدريس الأقدم في هذا المجال توجيه زملائهم الجدد وطلابهم لتحقيق هذه الغاية، وصياغة سياسات الرواتب والتثبيت الوظيفي والترقيات لتقدير هذه الجهود ومكافأتها. وأخيرًا، لا تزال هناك تساؤلات حول مقدار التمويل اللازم للتطوير الأولي والاستدامة المستمرة وأهمية الموارد الرقمية، وقد تزداد أهمية هذه الموارد بمرور الوقت. وسيتعين على الجهات المانحة تقييم دورها التمويلي في هذا الصدد.
السيناريو الثالث :- من المحتمل أن يكون مصطلح «العلوم الانسانية الرقمية» قد عفا عليه الزمن وأصبح قديما جدا بعد عقدين من الزمن، تماما مثل العديد من الاتجاهات،وقد تكون النشوة للأدوات الرقمية قد تلاشت مع مرور الوقت،وأن العلوم الانسانية الرقمية لم تعد تقدم نتائج ملموسة ودائمة .