مع تسارع وتيرة الحياة اليومية، وتزايد الضغوط الناتجة عن العمل والدراسة والتغيرات الاقتصادية والاجتماعية، أصبحت الأنشطة الرياضية حاجة مُلحّة وليست ترفاً كما يظن البعض، فالرياضة الترويحية هي الأنشطة البدنية التي تُمارَس بهدف المتعة والاسترخاء والتخفّف من التوتر، وتمنح الإنسان فرصة للهدوء والراحة.
ويشير خبراء إلى أن ممارسة أنشطة مثل المشي الجماعي، ركوب الدراجة، السباحة الخفيفة، أو الألعاب الجماعية وحتى الألعاب الفردية غير التنافسية مثل الملاكمة والتايكواندو، تساعد الجسم على إفراز هرمونات السعادة كالإندورفين والسيروتونين، التي تلعب دوراً أساسياً في تحسين المزاج وتقليل الشعور بالاكتئاب، كما تسهم في تنظيم النوم، وزيادة القدرة على التركيز، وتعزيز الطاقة العامة، وهو ما يدعم الصحة النفسية بشكل مباشر.
من جهته، قال د. عاطف القاسم، أخصائي نفسي إكلينيكي ورئيس جمعية العلوم النفسية/ الأردن، إن دراسات طبية حديثة أظهرت أن ممارسة الرياضة بانتظام تسهم بشكل ملحوظ في تخفيف أعراض الاكتئاب والقلق، وذلك عبر تأثيرها المباشر على كيمياء الدماغ وتنشيط الهرمونات المسؤولة عن تحسين المزاج، وبحيث بات النشاط البدني يُصنّف اليوم كأحد التدخلات الداعمة للصحة النفسية.
وأضاف أن تقارير كثيرة أوضحت أن فعالية التمارين قد تكون قريبة من فاعلية بعض العلاجات الدوائية لدى المصابين بالاكتئاب الخفيف إلى المتوسط، منوهاً إلى أن الاعتماد على الرياضة وحدها لا يُعد خياراً كافياً في الحالات الشديدة، التي تتطلب متابعة علاجية متخصصة تشمل الدواء والعلاج النفسي.
وأكد خبراء الصحة النفسية أن الدور الأبرز للرياضة يتمثل في كونها علاجاً مكمّلاً يعزز نتائج الخطة العلاجية، ويسهم في تحسين جودة الحياة وتقليل الآثار الجانبية لبعض الأدوية، إلى جانب دورها في تعزيز نمط حياة أكثر توازناً وصحة لدى المرضى.
وعرّف المدرب أيوب العجلوني، المتخصص في علوم الرياضة، الصحة النفسية بأنها حالة من التوازن العاطفي والسلوكي والاجتماعي، وشعور بالسعادة مع النفس والآخرين، وأن يكون الفرد قادراً على تحقيق ذاته واستغلال قدراته وإمكاناته إلى الحد الأقصى، بما يمكّنه من المشاركة والإنتاج واتخاذ القرارات.
وأكد أن الصحة النفسية باتت من أهم الأهداف التي تسعى المجتمعات الحديثة لتحقيقها، خصوصاً بعد ارتفاع معدلات القلق والاكتئاب والتوتر، وهنا تظهر الأنشطة الترويحية كأداة عملية يمكن ممارستها بمرونة وبدون تكاليف كبيرة، مما يجعلها في متناول الجميع.
وأشار العجلوني إلى أن الأنشطة الترويحية تُعدّ متنفساً مهماً، يتيح للأفراد التخلص من الضغوط اليومية بطريقة صحية وآمنة، وقال إن الحركة الجسدية تساعد على تفريغ الشحنات السلبية التي تتراكم في الجسم والعقل، مما يجعل الفرد أكثر استقراراً في سلوكه وانفعالاته.
وأضاف أن هذه الأنشطة تُسهم في تعزيز المرونة النفسية، موضحاً أن الأشخاص الذين يمارسون نشاطاً ترويحياً بشكل منتظم يكتسبون مهارات التعامل مع المواقف الصعبة، ويصبحون أكثر تقبّلاِ للفشل، وأكثر قدرة على العودة للاتزان بعد الأزمات، وهذا الجانب، وفق العجلوني، يُعد من أهم عناصر الصحة النفسية في العصر الحديث.
كما أكد أن للأنشطة الترويحية دوراً اجتماعياً بالغ الأهمية، إذ تُساعد على تقوية العلاقات وتعزيز الروابط الاجتماعية بين المشاركين، وأن التفاعل بين الأفراد خلال النشاط، حتى لو كان بسيطًا، يساعد على تحسين مهارات التواصل ويمنح شعوراً بالانتماء، الأمر الذي يخفف من الشعور بالوحدة والعزلة، وهما من أبرز دوافع الاضطرابات النفسية.
ولفت العجلوني إلى تأثير الأنشطة الترويحية على توازن الحياة الشخصية والمهنية، مشيراً إلى أنها تساعد الفرد على كسر الروتين اليومي وتخفيف التوتر الناتج عن ساعات العمل الطويلة، معتبراً أن الاستراحة الذهنية التي يوفرها النشاط الترويحي تعيد إنتاج الطاقة وتمنح الشخص قدرة أفضل على التعامل مع التزامات الحياة.
وبيّن أن الأنشطة الترويحية تُعزّز احترام الذات، حيث تمنح المشاركة في نشاط بدني بسيط إحساساً بالإنجاز، حتى لو لم يكن الهدف منه المنافسة أو تحقيق رقم قياسي، لأن الإحساس يرفع من مستوى الثقة بالنفس ويُحرّر الفرد من الشعور بالعجز أو التوتر الناتج عن ضغوط الحياة.
أما عن تأثير التكنولوجيا، فقد أوضح العجلوني أن الأنشطة الترويحية تُعدّ علاجاً فعالاً للإجهاد الرقمي الناتج عن الاستخدام المفرط للهواتف الذكية والشاشات، وأشار إلى أن الانخراط في نشاط حركي يُعيد للذهن صفاءه ويعزز التركيز، وهو ما يحتاجه معظم الشباب اليوم بعد ساعات من الجلوس خلف الشاشات.
كما أشار العجلوني إلى أن الأنشطة الترويحية تُحفّز الإبداع والتفكير الإيجابي، نتيجة لتحسين تدفق الدم إلى الدماغ وتنشيط الذاكرة، وأوضح أن الكثير من المؤسسات العالمية بدأت تعتمد على الرياضة الترويحية كجزء من برامج تطوير الموظفين وتحسين قدراتهم الذهنية والإبداعية.
كما أكد أن هذه الأنشطة تُحسّن جودة النوم، إذ يؤدي النشاط البدني إلى إفراز هرمونات تساعد على الاسترخاء، وهو ما ينعكس على النوم العميق وعدم الاستيقاظ المتكرر، وكشف أن تحسين النوم يدعم التركيز والقدرة على اتخاذ القرار، ويقلل من اضطرابات المزاج.
وأشار العجلوني إلى أن ممارسة الأنشطة الترويحية تُستخدم ضمن برامج العلاج النفسي للقلق والتوتر الخفيف، كونها تخفّف الضغط الذهني وتمنح العقل فرصة للتنظيم وإعادة التوازن، وقد أثبتت الدراسات فاعليتها خاصة لدى الفئات الأكثر عرضة للضغوط مثل الشباب والموظفين والطلاب.
وفي الختام، شدّد العجلوني على أن الأنشطة الترويحية مهما كانت بسيطة تُعيد للفرد شعوره بالحيوية والطاقة، وتكسر دائرة الخمول النفسي والجسدي، وتخلق دافعاً قوياً للاستمرار بروح إيجابية.