قال الكاتب الايرلندي باول لينتش إن الكتابة "عملية ذهنية وروحية في الوقت ذاته"، مضيفاً: "أضع الصفحة أمامي وأترك عقلي الباطن يوجهني، فالحدث يصبح رمحًا يُرمى في الظلام، والخيال هبة من الله".
وأكد لينتش، خلال ندوة ضمن فعاليات معرض الشارقة الدولي للكتاب، أن الكاتب يحتاج لأن يفهم الرموز الخفية والطاقات الإبداعية التي تحيط بالفكرة التي سيكتبها، لأنها "تمنحه القدرة على التعمق في النفس البشرية والعالم".
وعبّر لينتش الحائز على جائزة "البوكر" العالمية عن روايته "بروفيت سونغ"، عن رؤيته العميقة لمسار الكتابة قائلاً: "عندما تكون كاتباً في بداياتك ولم تقرأ في عوالم أخرى، فإنك تحلم بأن تفوز بجائزة مثل (نوبل) وتمنح جمهورك ما يستحقه من الاهتمام".
وأوضح أنه نشر قبل ذلك أربع روايات، حققت "مبيعات جيدة"، لكنه لم يكن يتخيل أن يصل إلى الشهرة العالمية التي منحته إياها الجائزة، مضيفاً: "الجائزة التقطتني بيد إلى الأعلى ووضعتني على القمة".
وأكد لينتش أن الفوز بجائزة مرموقة مثل "البوكر" فتح أمامه آفاقاً جديدة، إذ تُرجمت روايته إلى نحو 49 لغة، ما حمّله مسؤولية كبيرة تجاه القراء حول العالم، لكنه في الوقت نفسه يرى أن العزلة تبقى شرطاً أساسياً للإبداع، قائلاً: "العزلة لا تعني الانسحاب من العالم، بل هي مساحة التأمل التي تنضج فيها الكتابة، إلا أن الشهرة أحياناً تسلب الكاتب هدوءه ومصدر إلهامه".
ورأى لينتش في حديثه عن الكتابة أن الأدب ليس مجرد تسلية أو عرض للأحداث، بل هو "بحث مستمر عن الحقيقة الإنسانية والحرية والوجود"، فكل قصة "تحمل إمكانات جديدة لتفسير الحياة وفهم الغربة والتناقضات التي تصوغ التجربة البشرية".
وأكد أن القارئ يجب أن يشعر بالحقيقة العميقة وراء الرواية، وأن الكتابة ليست مجرد كلمات، بل "فلسفة للحياة وتجربة روحية معقدة".
وتحدث لينتش عن تجربته مع "بروفيت سونغ"، التي وصفها بأنها كانت مغامرة محفوفة بالمخاطر، قائلاً: "كنت أشعر أنني أضع مسيرتي الأدبية على المحك أثناء كتابتها، لكنها كانت ضرورة لا بد منها". وأضاف: "كل كتاب أكتبه يفتح لي عوالم جديدة، مثل سلسلة من المعادلات التي تشرح الوجود الإنساني".
ورأى لينتش أن الرواية مرآة للهوية الإنسانية، وأن الكاتب حين يواصل الكتابة "لا يفقد ذاته، بل ينشئ رموزاً تمنح الحياة معنى شمولياً"، موضحاً أن القصص البسيطة "غالباً ما تحمل في داخلها أبعاداً وجودية عميقة"، وأن الكتابة الحقيقية "تمثل رحلة إلى أعماق النفس، وليست مجرد حكاية تُروى".
وعن العلاقة بين الأدب والسياسة، أوضح لينتش أن عمله لا يُصنَّف سياسياً بالمعنى المباشر، قائلاً: "الكثير من الكتّاب يصفون أنفسهم بأنهم سياسيون، لكن الفن الحقيقي يتجاوز السياسة، فهو محاولة لفهم العالم بكل تعقيداته، وليس مجرد تفسير للواقع". وأضاف أن روايته تنطلق من رؤية ميتافيزيقية للمعاناة الإنسانية، وتتناول قضايا الكرامة والوجود الإنساني في عالم مضطرب لا يمكن إدراكه بسهولة.
وكشف لينتش عن تجربته الفكرية في الكتابة، مشيراً إلى أنه بدأ روايته الفائزة بجائزة البوكر في أواخر 2018، وأنه تأثر بقراءة أعمال هيرمان هِسّه، التي أعادت له التفكير في التاريخ الألماني وعواقب الانقسام الاجتماعي والسياسي على الإنسان والمجتمع. وقال: "كان لدي إحساس بأن الرواية مرآة للواقع، تمنح لحظة تأمل عميقة، وتعيدني دوماً إلى جوهر المعنى الإنساني".