حيث تتجدد الفرحة الثقافية في الجنوب؛ من الزيارة الناجحة لوزير الثقافة مصطفى الرواشدة إلى وادي عربة وقريقرة وفينان، إلى حيث زيارته "معان"، هذه النخلة الأردنية العالية، الضاربة في الجذور وأهل الكرم،.. قُدّر لنا في هذه الجولة الثقافية الجنوبية، أن نحضر الحفل الختامي لفعاليات "أيام معان الثقافية" في موسمها الأول، هذه الفعاليات التي نظّمتها بلدية معان الكبرى على مدى أربعة أيام..
وفي الحقيقة، فإنّ بلدية معان لم تعد بعيدةً عن الثقافة، وليست محايدةً بشأنها، فهاهي تضرب مثالًا مهمًّا في التشاركيّة مع مديرية الثقافة في معان التابعة لوزارة الثقافة، لنشر مفردات وحقول الثقافة والفنون ومباركة الإبداع، بدليل وجود رئيس بلدية معان معتصم النهار، وهو يتحدث عن هذا الدور بكل ثقة في احتفال نخبوي ومجتمعي جرى في مركز الأمير الحسين بن عبدالله الثاني الثقافي..
والحقيقة أنّ مركز الأمير الحسين بن عبدالله الثقافي الثاني، الذي تسمى باسمّ سموّ وليّ العهد حفظه الله، والذي شهدتُ على المستوى الشخصي انطلاقته وبناء أساساته قبل سنوات عديدة، هو اليوم يستقبل كل هذا المزيج الثقافي من معان وغيرها، فقد شاهدت كل هذا الحضور المجتمعي الرائع، وهذه الفرحة التي عادت بي إلى ذلك الوقت الذي انطلقت فيه الرؤية الوطنية لبناء مثل هذا المركز، فمن الجميل أنّ فعاليات أيام معان الثقافي حين نظمتها بلدية معان الكبرى كرديف لوزارة الثقافة، وصلت إلى 60 فعالية ونشاطًا، بالتعاون مع 15 جهة حكومية وخاصة وأهلية ومجتمعية وشبابية في معان،.. فكان الناس يرون في الثقافة جانبًا يلامس أحاسيسهم ومشاعرهم الوطنية، والاحتفاء بالوطن والإنسان، من خلال الأغنية والفنون الحضارية والقراءة والشعر والأدب، فقد كان ذلك تجسيدًا لهدف هذه الفعاليات في إبراز الهوية الثقافية والفنية والموروث الحضاري للمحافظة وتنشيط حراكها الثقافي.
وهو أيضًا ما تجلّى في كلمة وزير الثقافة الرواشدة في تأكيده هذه المبادرات والفعاليات، كمراكز إشعاع ثقافي للفن والوعي والمعرفة، باعتبارها فعاليات تستحق الاحترام والدعم، وباعتبار وزارة الثقافة تدعم المواهب وتبارك الجهود،.. وإضافةً إلى ذلك كان حضور المثقفين ورئيس لجنة بلدية معالي الكبرى عاصم النهار يؤكّد هذا التوجّه في شراكة البلدية في الفعل الثقافي ونشره، كتجربة جميلة واستثنائية وصفها بأنّها تربط الماضي بالحاضر وتحتفي بالأرض والهوية وتجمع في رحابها كل هؤلاء المبدعين والمحبين للوطن؛ فحين اعتزّ النهار بمشاركة 60 فعالية في الأدب والشعر والتدريبات الفنية والتكنولوجية والمسرحيات والمعارض والمسابقات والأيام التراثية والزيارات الثقافية، فهذا يشكّل حالة وعي مجتمعي حقيقية، وبالتالي فهي شراكة مع المجتمع المحلي ودعم الشباب والمبدعين..
كما كان طاقم وزارة الثقافة حاضرًا من خلال إبداعات مدير مديرية ثقافة معان التابعة لوزارة الثقافة د.يوسف الشمري، وحضور مدير مركز تدريب الفنون الفنان د.حسين د.دغيمات.
كان هناك بالفعل حديث جميل ورائع لتأكيد أهمية هذه الفعاليات، حين نطقت مجريات الاحتفال وإحدى فرق معان وهي تغني للوطن بإبداعات شباب ينثرون الولاء لجلالة الملك، بل وجود طفل محترف جذب انتباه الحضور وهو يتقدّم الفرقة إلى جانب شباب في هذا المجال، كما كانت أشعار المبدع محمد الطورة حاضرة، كقصائد مثقفة وعالية الإحساس والمكاشفة بقوة الأردن وحضوره الكبير في وجدان الشباب.. فكانت الأغاني والأشعار والقصائد والتكريمات تشعرنا بأننا في حالة فرح كبيرة، كما حضرت هيئة شباب كل الأردن ورئيسها عبدالرحيم الزواهرة، فكان الجميع على قلب وطن واحد..
أمّا الرؤية، فكانت في أن تظلّ معان نخلة الدولة الأردنية التي حملت تباشير النهضة العربية الكبرى وبوادر الثورة العربية الكبرى التي نحتفي بها اليوم في سرديتنا الوطنية، كجزء من المشروع الوطني المهم للدولة الأردنية، وبالتأكيد فإنّ حالة الفرح هذه بالتأكيد ستنعكس على أجيال يحبون الوطن ويعملون له وينشدون في رحابه ويكونون أكثر وعيًا أمام كل الأخطار والتحديات الخارجية، وهي كثيرة تحملها إلينا رياح وأجندات وسائل التواصل الاجتماعي هنا وهناك، ما بين تشكيك وزرع للفتنة،.. إذًا، فليظل الفعل الثقافي واقفًا بالتنوير كقوة ناعمة تؤثر في وجدان الناس وتحفزهم على أن يكونوا واعين وعاملين لنهضة بلدهم والحفاظ على أمنه واستقراره على الدوام..
وختامًا، فإنّ إطلاق مشروع "مكتبة الأسرة في الجنوب"، كان رسالة وطنية رائعة تحمل كلّ هذه المحبة التي يتدفق بها أبناء قرى ومحافظات الجنوب ومعان..
ومثل الجنوب ومعان وكلّ القرى هناك، كانت الوزارة تجوب كلّ محافظاتنا، إذ وصلت إلى حدود البادية الشمالية، فقد كان القرار الثقافي الرسمي لديه رسائل وطنية يعمل عليها ويريد بثها حينما وصل وزير الثقافة الرواشدة في البادية الشمالية إلى منطقة "خشاع القن"، على سبيل المثال، وهي منطقة بعيدة، ومثلها وصل إلى الرويشد والصفاوي، فأنشأ المكتبات والمتاحف والجداريات والكثير من حواضن الثقافة ومحفزاتها بين هنا وهناك..
الأمر المفرح، في جولة أمس، أنّ وزير الثقافة مصطفى الرواشدة أعلن في ختام الحفل، أنّ جداريةً كبيرة ستكون على مدخل مدينة معان، وتكون بمثابة سردية خاصة بمعان وحضورها الوطني والتاريخي ودورها في الثورة العربية الكبرى، لنقرأ من خلالها سيرة المكان، فيكون الزائر على معرفه بالمكان وتماس معه، فيحمل في قلبه وعقله أطيب الذكريات..