يأتي كتاب «التعليم القائم على وظائف الدماغ: استراتيجيات التعلم» للباحث الأردني د.سعادة خليل متماشياً مع ما يشهده الوقت الحاضر من تحولات عميقة في الفلسفة التربوية وأساليب التدريس، مقدماً بذلك إضافة نوعية في مجال الطرق المثلى للتعليم في القرن الحادي والعشرين.
ويحاول الكتاب الصادر حديثاً عن «الآن ناشرون وموزعون»، سد الفجوة بين علم الأعصاب والفصول الدراسية، كما أنه يستكشف كيف يمكن لفهم بنية الدماغ ووظيفته وتطوره أن يساعد المعلم على خلق بيئات تعليمية أكثر فاعلية وتفاعلا ودعما عاطفيا، وهو دعوة حقيقية للتغيير الذي يبدأ من فهم الدماغ، ليمتد إلى الصفوف، وينعكس على جيل جديد من الطلاب والمعلمين.
وينطلق الكتاب من فكرة أنه في وقت تزداد فيه التحديات التربوية، يبدو أن الحلول لا تكمن في المزيد من الاختبارات أو المناهج، بل في العودة إلى الدماغ ذاته، العضو الأكثر غموضاً وقدرة في حياتنا، ليكون هو بوابة النهضة التعليمية المقبلة.
يشتمل الكتاب الواقع في 252 صفحة على ثلاثة عشرة فصلاً ينطلق فيها المؤلف من تجربة شخصية ومعايشة واقعية لطلاب أذكياء وفضوليين يفشلون ليس لعجز في قدراتهم، بل بسبب طرائق تقليدية للتدريس تعتمد على الحفظ والتلقين، وتغفل البعد العاطفي والاجتماعي للتعلم، ومن هنا توضح المقدمة أن هذا الكتاب يحاول الاستكشاف والتوليف ويمثل دعوة للعمل، وأنه نشأ من التقاطع المثير بين علم الأعصاب وعلم التربية، فكلما فهمنا آليات الدماغ المعقدة زادت قدرتنا على تصميم بيئات تعليمية تفاعلية وفعّالة وذات تأثيرٍ عميق.
وجاء في المقدمة أيضا: «في هذه الصفحات، سنتجاوز نماذج التدريس التقليدية لنتعمق في البنية الرائعة للدماغ نفسه. سنكتشف كيف تنشط الخلايا العصبية، وكيف تتشكل الذكريات وتسترجع، وكيف تؤثر المشاعر على التعلم، وكيف يلعب الانتباه والدافع والنوم أدواراً حاسمة في النجاح الأكاديمي».
يركز الفصل الأول على «أساسيات وظائف الدماغ للمعلمين»، وفيه يشرح المؤلف الأدوار الحيوية للقشرة الجبهية واللوزة الدماغية في عملية التعلم، مع توضيح أهمية «اللدونة العصبية» التي تكسر فكرة الجمود الذهني وتفتح الباب أمام النمو المستمر للطلاب والمعلمين معاً.
ويؤكد الفصل الثاني على أهمية «الذاكرة والتعلم»، ويتناول فيه المؤلف أنواع الذاكرة (الحسية، والعملية، وطويلة المدى)، ويعرض استراتيجيات لتعزيزها مثل التكرار المتباعد، والتصور الذهني، وسرد القصص، مشيراً إلى أن بناء الروابط العاطفية مع المعلومات يسهم في ترسيخها بذاكرة طويلة الأمد.
أما الفصل الثالث فيبحث في موضوعات «الانتباه، والتركيز، والمشاركة»، ويعرض خريطة لشبكات الدماغ الثلاث المسؤولة عن الانتباه (شبكة التنبيه، شبكة التوجيه، الشبكة التنفيذية)، ويقترح استراتيجيات صفية تحفّز هذه الشبكات، مثل استخدام الحركة، والأنشطة التعاونية، وكسر روتين المحاضرات الطويلة.
وفي الفصول اللاحقة يناقش الكتاب موضوعات من مثل: دور النوم، والتوتر، والدافعية، والعاطفة في نجاح العملية التعليمية، وكيف يمكن للمعلم أن يصمم بيئة صفية تراعي حدود الدماغ الطبيعية في معالجة المعلومات.. وهو لا يكتفي بعرض الجانب النظري من علم الأعصاب، بل يترجمه إلى خطوات ملموسة، مثل: تقسيم الدروس إلى وحدات قصيرة لمنع الحمل المعرفي الزائد، واستخدام تقنية بومودورو (25 دقيقة تعلم + 5 دقائق استراحة) كآلية صفية، وإدماج تقنيات اليقظة الذهنية (mindfulness) لتقليل التوتر وتهيئة الدماغ للتعلم، واعتماد الاختبارات القصيرة?والأنشطة التفاعلية كوسائل لتعزيز ممارسة الاسترجاع. وبهذا، يقدّم المؤلف للمعلم أدوات قابلة للتطبيق، مع أمثلة عملية من الصفوف الدراسية.
ويحسب لهذا الكتاب أنه يتماشى مع موجة عالمية تعرف بـ"التعليم العصبي» (Neuroeducation)، وهي اتجاه حديث يدمج نتائج علم الدماغ في بناء السياسات التعليمية، فقد ظهرت في الولايات المتحدة وأوروبا العديد من البرامج التدريبية للمعلمين التي تركز على علم الأعصاب التربوي، كما أن جامعات عالمية مرموقة أنشأت مراكز أبحاث خاصة بهذا المجال.
ويحسب لهذا الكتاب اعتماد مؤلفه على اللغة المبسطة رغم صعوبة المصطلحات العصبية، وحرصه على شرحها دون فقدان عمقها العلمي، كذلك مد الجسور بين النظرية والتطبيق، إذ لا يتوقف عند وصف الدماغ فحسب، بل يجيب دائماً عن سؤال: «وماذا يعني هذا للمعلم في الصف؟»، ويؤكد الكتاب دوماً على البعد الإنساني، حيث يدمج الجانبين العاطفي والنفسي في تفسير التعلم، ليجعل من الصف مكاناً لنمو الإنسان كله، لا مجرد تحصيل للمعرفة.