إن خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني بافتتاح الدورة العادية الثانية لمجلس الأمة العشرين يعد خطاب الأب لأبنائه، والقائد لشعبه، وصوت الطمأنينة في زمن الحروب والفتن والقلاقل. في حضرة الملك، وقد أضفى بياض شعره المهيب مزيداً من الوقار والحكمة والثقة، بدا الحديث نابضاً باليقين، محمّلاً برسائل الثبات والإيمان بوطنٍ صلبٍ لا تهزه العواصف، ولا تكسره الظروف.
في خطاب العرش السامي، أعاد جلالة الملك تجديد معادلة أردنية راسخة، مفادها أن الأردن الذي وُلد في قلب الأزمات سيبقى قادراً على تجاوزها، كما فعل مراراً عبر تاريخه الطويل. فالأزمات بالنسبة إلى الأردن ليست محطات انكسار، بل محطات صقل وتجدد، جعلت من الدولة نموذجاً في الصمود والثبات والبناء المتواصل.
وقد أكد جلالته أن سرّ قوة الأردن يكمن في تلاحم قيادته وشعبه، وفي الإيمان المشترك بأن القلق مشروع، لكن الخوف لا مكان له في بلدٍ يستمد عزيمته من أبنائه الأوفياء، ومن وحدة الصف التي شكلت على الدوام درع الأردن الحصين في وجه الرياح.
«نعم، يقلق الملك، لكن لا يخاف إلا ﷲ... ولا يهاب شيئا وفي ظهره «أردني». فهذا، والحمد لله، هو أثمن ما يشتد به القائد.» هذه واحدة من التجليات الملكية التي تعكس نهج الشفافية والصراحة بين القائد الأب وشعبه الوفي. فالقلق من سمات البشر ومن متطلبات الحذر أيضاً. أما الخوف فلا مكان له في قلب قائد قريب من شعبه. فالملك يعبّر عن قلق مشروع، لكنه يستمد طمأنينته من عزيمة الأردنيين الذين لا يخافون إلا الله، مستندين إلى ثقتهم بقيادتهم ودولتهم وجيشهم ومؤسساتهم. هذه الفكرة ليست مجرد عبارة في خطاب العرش، بل هي قاعدة أردنية راسخة أثبتها التاريخ؛ فالأردن وُلد وسط النيران وبقي ثابتاً في وجه الأزمات، صمد حين سقط غيره، وبقي وفياً لقيمه ومواقفه.
الخطاب حمل في طياته دعوة صريحة للسلطتين التشريعية والتنفيذية لتحمّل مسؤولياتهما في استكمال مسارات الإصلاح الثلاثة: السياسي والاقتصادي والإداري. فـ«لا شيء غير الوطن» هي العبارة المفتاحية التي تختصر رؤية الملك؛ إذ دعا إلى توجيه البوصلة نحو الداخل، وتعزيز العمل الحزبي والبرلماني المؤسسي، وتسريع وتيرة تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي بما ينعكس على معيشة المواطنين وخدماتهم وفرص عملهم.
وهنا بالذات الرسالة الأساسية تؤكد أن الأردن هو الأولوية والمشروع الوطني الجامع. على النخب والأحزاب أن تلتفت إلى الداخل، فالقوة الحقيقية تكمن في الوحدة الوطنية والتمسك بالهوية الأردنية. المرحلة الحالية صعبة وتتطلب التكاتف والاعتزاز بالوطن والإيمان بالمستقبل. والأردنيون، كما قال الملك، لا ينكفئون على أنفسهم؛ أدّوا واجبهم تجاه الأشقاء واحتضنوا المظلومين، لكنهم لا يقبلون المساس بكرامة وطنهم أو استخدامه لأجندات خارجية. بوصلة الدولة واضحة: حماية الأردن وكرامة مواطنيه، فالوحدة والقوة الوطنية هما الأساس لخدمة قضايا الأمة بكرامة واحترام.
وفي المقابل، جاء التذكير بالمؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية تأكيداً على أن الجيش العربي المصطفوي سيبقى صمام الأمان للوطن ودرعه المنيع في وجه أي تهديد، وأن الأمن والاستقرار اللذين ينعم بهما الأردن ليسا صدفة، بل ثمرة إخلاص رجالٍ نذروا أنفسهم دفاعاً عن الأرض والكرامة.
أما في البعد الإقليمي، فقد جسّد الخطاب الموقف الأردني الثابت تجاه الأشقاء في فلسطين، إذ أكد جلالة الملك أن الأردن سيبقى إلى جانب أهل غزة في محنتهم، ملتزماً بموقفه الأخوي والإنساني والسياسي الراسخ، ورافعاً راية الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.
لقد جاء خطاب العرش مفعماً بالثقة، مشحوناً بالأمل، واضحاً في وجهته: الأردن أولاً ودائماً. أعاد الملك ضبط الساعة الوطنية على إيقاع العمل الجاد والهمة العالية، مستنهضاً في الأردنيين روح التفاؤل والإيمان بالمستقبل، ومؤكداً أن لا خوف على وطنٍ تحرسه وحدته، وتحتضنه إرادة قيادته وشعبه ومؤسساته الراسخة.