احتفت مؤسسة عبد الحميد شومان، بالدكتور عدنان بدران، في ندوة تحت عنوان «عدنان بدران.. سياسيا وأكاديميا وعالما»، وذلك ضمن فعالية «ضيف العام»، بحضور عدد كبير من المفكرين، والسياسيين، والأكاديميين، والمعنيين.
وقالت الرئيسة التنفيذية للمؤسسة فالنتينا قسيسية في كلمتها خلال أعمال الندوة: «مجالات عطاء الدكتور بدران تنوعت لتشمل الميادين الأكاديمية والعلمية والسياسية والإدارية»، مشيرة إلى أنه من الصعب وضع «قائمة إنجازات» لبدران، فهي «كثيرة جدا، ومستدامة، لأنه استثمر جهوده في المؤسسات والبنى العلمية والتعليمية، ولأن تلك الجهود أثمرت إنجازات في مجال بناء القدرات، ورسم الاستراتيجيات، وتعزيز وضع العلم والتعليم والتنمية».
ولفتت إلى أن ما يميز بدران، أن عطاءه العلمي لم يقتصر على الفكر والتنظير، بل امتد إلى ميادين الابتكار والإبداع، إذ سجل أربع براءات اختراع في الولايات المتحدة في مجالات علوم الأغذية والبيئة الحيوية منذ أواخر ستينيات القرن الماضي، كانت رائدة في تطوير أساليب حفظ الأغذية والتحكم البيئي في تخزينها.
وأكدت أن مؤسسة شومان، ذراع البنك العربي للمسؤولية الثقافية والاجتماعية، ومن خلال برنامج «ضيف العام»، تسعى بشكل دائم، إلى تقدير العلم والعلماء، والشخصيات التي امتلكت رسالة وبعد نظر، وإمكانيات استثنائية، وظفتها لتضع بصمتها الخاصة في جوانب حياتنا المختلفة.
وتضمنت الندوة التكريمية عدداً من الجلسات التي تناولت سيرة وإنجازات بدران، حيث تحدث في الجلسة الأولى التي أدارها الكاتب والروائي جلال برجس وحملت عنوان «قطار البدايات»، كل من د.عاطف عضيبات وجاءت ورقته بعنوان «عدنان بدران من مدارس جرش إلى رئاسة الوزراء: قراءة شخصية لسيرة تستحق التأمل»، ود.عبدالله أبو غوش وحملت ورقته عنوان «(خضوري الزراعية) بداية الطريق»، ود.هالة الخيمي بورقة بعنوان «رائد البدايات الواثقة.. بصمات لا تمحى».
وأشار المتحدثون إلى أن شخصية بدران تتميز بعدد من السمات، التي انعكست على إنجازاته التي تجاوزت في محيطها الوطني والعربي لتتعدى ذلك الى العالمية، وأكدوا أنه «قدّم لوطنه وأمته وإنسانيته إنجازات لا تزال آثارها مستدامة ليومنا هذا»، مثلما تطرقوا إلى دوره البارز والمميز في نشاطات جمعية نادي خريجي «خضوري طولكرم» وتوثيق العلاقات مع خريجي هذا المعهد ومع جامعة فلسطين التقنية (خضوري).
ولفت المشاركون إلى سعي بدران لتطوير مناهج العلوم في المدارس وعلى جميع المستويات الدراسية. كما أكدوا أن ما حققه في بناء الجامعة الأردنية، وتأهيل الكوادر الأكاديمية، وضع الأردن في مرحلة متقدمة عربياً في التعليم العالي.
وتحدث في الجلسة الثانية التي أدارها د.مصلح النجار وحملت عنوان «في الفضاء الأكاديمي»، كل من د.زيدان كفافي بورقة عنوانها «راعي العلم والعلماء»، ود.وجيه عويس وحملت ورقته عنوان «الرجل الذي تعددت صفاته وتنوعت مسؤولياته»، كذلك د.مشهور الرفاعي بورقة جاءت بعنوان «مدرسة في الإدارة»، إضافة إلى د.عبدالله الموسى وحملت ورقته عنوان «د.عدنان بدران كما عرفته».
وبين المتحدثون في أوراقهم أن بدران آمن بتداخل العلوم والمعارف وتشابكها المحتوم، وأشاروا إلى أن له رؤيا وفلسفة خاصة في تقديم الثقافة والفلسفة والحضارة الإسلامية، فأنشأ مركزاً لهذا الغرض أسماه «مركز الدراسات الإسلامية». وقد قام هذا المركز بإصدار مجموعة من المؤلفات، وبدعوة عدد من الباحثين العالميين المرموقين في الدراسات والفلسفة الإسلامية.
ولفتوا إلى أن بدران استطاع أن يوثق بين المُثل والأمر الواقع بمرونة واعية، وحقق في كل ميادين نشاطاته وأعماله الحد الأقصى الممكن من التحديث والتغير نحو الأفضل بقدر ما كانت تسمح به الإمكانات والظروف، وكان أسلوبه دائمًا يتميز بمثابرة مصممة بدون أن تثنيه العقبات عن الصمود في مواقفه أو الانسحاب منها. كما نوهوا إلى إيمانه بأن أي مؤسسة علمية حقيقية تحتاج إلى عقل إداري منظم ورؤية مستقبلية عملية.
وفي الجلسة الثالثة التي جاءت بعنوان «في الفضاء السياسي» وأدارها الكاتب نزار الحمود، تحدث كل من د.تيسير النعيمي حيث جاءت ورقته بعنوان «عدنان بدران في الفضاء السياسي العالمي: مسارات التأثير في السياسات والعلوم والتنمية»، ود.سالم اللوزي وجاءت ورقته بعنوان «من زراعي بالوراثة، إلى مخترع بالدراسة، إلى رئيس بالرئاسة»، ود.عزت جرادات وحملت ورقته عنوان «البروفسور عدنان بدران: ذلك الأيقونة التربوية».
ونوه المتحدثون إلى أنه بدران في كل المواقع التي شغلها، سواء داخل الأردن أو في المؤسسات الدولية، حافظ على خطاب تنويري، عقلاني، وأنه يؤمن بأن العلم ليس نخبويًا، بل حق جماهيري، وأن الفضاء السياسي لا يكتمل دون دمج المعرفة ضمن سياقاته المتعددة.
كما تطرقوا إلى أهم المحطات المضيئة في سماء الجامعة الأردنية أثناء رئاسة بدران لمجلس أمناء الجامعة، مؤكدين أنه «رجل دولة، وشخصية قيادية ريادية، يتمتع بخلق إنساني رفيع، وروح المرح الجاد، ونزعة ديمقراطية، وتواضع العلماء».
الجلسة الرابعة التي أدارتها د.شهلا العجيلي وجاءت بعنوان «همة لا تهدأ»، تحدث فيها كل من د.علي الدباس بورقة عمل عنونها بـ «مسيرة حقوق الإنسان في الأردن، التعزيز.. والارتقاء»، ود.محي الدين توق وجاءت ورقته بعنوان «بدران وحقوق الإنسان: رؤى ومنجزات»، وم.نجيب صعب وحملت ورقته عنوان «السياسة في خدمة التنمية»، كذلك د.محمد الصباريني وجاءت ورقته بعنوان «تجربتي مع د.عدنان بدران»، إضافة إلى د.الياس بيضون، وكانت ورقته بعنوان «بدران رائدا للمعرفة».
وأشار المتحدثون في أوراقهم، إلى أن تجربة بدران في قيادة المركز الوطني لحقوق الإنسان شكّلت مرحلة مفصلية في مسيرة المؤسسة الحقوقية الأبرز في الأردن. فقد تمكن من المحافظة على مكانة وسمعة المركز داخلياً وخارجياً، كما تمكن من الحفاظ على زخم مسيرة حقوق الإنسان من خلال تركيزه على قضايا أساسية من حقوق الإنسان وطرحها بفاعلية على بساط النقاش الوطني.
وأكدوا أن بدران من القلة الذين جسّروا بين ميادين العلوم والتعليم والحوكمة وحقوق الإنسان بفاعلية؛ إذ تمثل سيرته نموذجًا شاملًا لحقوق الإنسان، لا يشمل فقط الحماية القانونية، بل الأسس الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للكرامة الإنسانية كذلك. فبقيادته المتعددة شهد الأردن مبادرات تحوّلية في مجال التعليم العالي، وإصلاحات الحوكمة، وتمكين المرأة، ورعاية البيئة، وحماية حقوق الإنسان المؤسسية. وذلك انسجامًا مع اعتقاده أن الحقوق لا تُفصل عن المعرفة والمشاركة والحوكمة السليمة.
وبينوا أن مسيرة بدران شكّلت مسيرته نموذجًا فريدًا للعطاء الوطني القائم على الإيمان بالعلم كأداة للتغيير، وبالإنسان كمحورٍ لكل نهضةٍ حقيقية، كم تميّزت مسيرته بتركيزه على تعزيز ثقافة البحث والإبداع، وإطلاق مبادرات رائدة لتأسيس أكاديميّات ومراكز علميّة عربيّة ذات بعد عالمي، والإسهام في إثراء المكتبة العربيّة في مجالات العلوم الطبيعيّة والتعليم العالي والتنمية.
الجلسة الخامسة التي حملت عنوان «في التعليم العام والثقافة والبحث العلمي» وأدارها د.عماد الضمور، تحدث فيها كل من د.هنا شاهين بورقة بعنوان «مدرسة في إنسان: عدنان بدران رجل الرؤية والنهضة، ومنارة التعليم من اليوبيل إلى الوطن»، ود.صادق الفقيه وجاءت ورقته بعنوان «عدنان بدران ومنتدى الفكر العربي: جلال الوفاء وكمال العطاء»، كذلك د.رضا شبلي من خلال (زووم)، وكانت ورقته بعنوان «عدنان بدران: رحلة في خدمة العلم والمعرفة والتنمية».
وقال المتحدثون في أوراقهم، إن الحديث عن بدران ليس وصفًا لسيرة شخصية فحسب، بل هو قراءة في عقلٍ مضيء حمل همّ الوطن، وقلبٍ نابض ظلّ يوزّع طاقته على أجيال متعاقبة. كما أشاروا إلى جهوده العظيمة والمتنوعة في مجالات العلم والفكر والمعرفة، حيث يعتبر بدران «رمزا بارزا من رموز العلم والفكر العربي الحديث والمعاصر، وقد استطاع بفضل ذكائه الفائق ومثابرته المستمرة، أن يتجاوز التحديات والصعوبات التي واجهت كل طامح من أبناء جيله، ليصبح منارة جاذبة لكل من يسعى إلى الاستشارة الفكرية».
وأكدوا أن بدران يعد نموذجا فريدا للقيادة الفكرية والمؤسسية التي تجمع بين الرؤية الاستراتيجية والخبرة العلمية والإدارة الأكاديمية المتميزة، مع التزام عميق بالتنمية البشرية المستدامة، مشيرين إلى أنه جسد نموذج القائد الأكاديمي الشامل، الذي يربط بين التعليم العام والبحث العلمي والثقافة العلمية، مسهمًا في بناء مؤسسات تعليمية وبحثية متطورة، وتعزيز القدرة التنافسية للجامعات، وربطها باحتياجات المجتمع على المستويين المحلي والدولي.
الجلسة السادسة والأخيرة وحملت عنوان «بناء مؤسسات التعليم العالي» وأدارها د.مهند مبيضين، تحدث فيها كل من د. دريد محاسنة بورقة بعنوان «أستاذ فصديق وجار، د.عدنان بدران والدراسات المائية والبحرية»، ود.إبراهيم بدران وحملت ورقته عنوان «عدنان بدران.. رائد العلم والتعليم وبناء المؤسسات لمجتمع المستقبل»، ود.إياد الملاح، حيث حملت ورقته عنوان «بدران الاستثنائي.. ذو الاستراتيجية الثاقبة في التعليم العالي».
وقال المتحدثون في الجلسة إن بدران واحد من بناة النهضة العلمية والتعليمية والتكنولوجية في الأردن، وساهم في مثل هذه النهضة في الأقطار العربية والمؤسسات الدولية. كما أنه ساهم بكل إمكاناته كعالم متميز، وسياسي متمكن، وإداري ناجح، يعمل برؤية مستقبلية متابعة للتحولات الدولية.
وأشاروا إلى أن ما يميز بدارن ليس المنصب أو اللقب، بل الرؤية التي يحملها، فهو يتبنى مفهوم التعليم الحقيقي الذي يسعى إلى تخريج الطالب ليس فقط بالشهادة العلمية، بل بمهارات التفكير النقدي، والإبداع، والقدرة على التغيير.
بدورها، قالت د. دانا بدران ابنة د.عدنان عدنان، في كلمتها: «أقف أمامكم اليوم لا بصفتي ابنة عدنان بدران فقط، بل بصفتي شاهدة على مسيرة عمر طويل من العطاء والصبر والإيمان بأن العلم هو السبيل الأمثل لخدمة الإنسان والوطن، وأن القيمة الحقيقية للإنسان هي فيما يعطي، لا فيما يأخذ».
وأضافت: «كثيرة هي المحطات في حياة والدي، وتتقاطع حياته العامة بحياته الخاصة، بحيث أجدني كمن يقف بعتبة بابه ينظر مرة إلى آفاق خارجية، ومرة إلى داخل جميل يتقاطع مع تلك الآفاق بأبهى الصور وأصدقها.... أجد نفسي عاجزة عن اختزال مسيرته في كلمات، ولكنها لحظة شكر مستحق لرجل أعطى بصمت، وعلم بتواضع، ورفع اسم الأردن في ميادين العلم والسياسة على حد سواء».
وفي نهاية الندوة استعرض بدران مسيرة حياته العلمية والعملية، مشيرا إلى أن أجمل ما يتركه الإنسان وراءه ليس المناصب ولا الألقاب، بل «الأثر الذي يزرعه في العقول والقلوب، وفي الأجيال التي تتابع المسيرة بخطى واثقة».