عرضت لجنة السينما في مؤسسة عبد الحميد شومان مساء أمس، الفيلم الجنوب إفريقي «الحيوانات شعب جميل»، للمخرج جامي أويس.
يحمل هذا الفيلم التسجيل الطويل الذي أنتج عام 1974 عنوانا لافتا، حيث يقدم المخرج توليفة بصرية ممتعة تتمثل في مغامرة تقع أحداثها في عالم الحيوانات البرية وأبطالها هم الحيوانات نفسها.
يقدم الفيلم صورة حية لحياة الحيوانات والطيور والزواحف بكل أنواعها في الطبيعة بكل ما فيها من غرائب. وقد جرى تصوير الفيلم في عدة مناطق في الجنوب الإفريقي بما في ذلك صحراء كالاهاري التي تعتبر الأكثر جفافا بين الصحاري في العالم، وناميبيا، وجنوب غرب إفريقيا، وزمبابوي، وبوتسوانا. وتم تصوير الكثير من المشاهد في مناطق محمية بعد الحصول على تراخيص خاصة من السلطات المختصة في تلك المناطق.
تبدأ قصة الفيلم في صحراء ناميبيا، وهي منطقة قفر شاسعة لا تسكنها سوى الحيوانات البرية والمتوحشة والحشرات والزواحف التي تعيش في الطبيعة وفق مفهوم «البقاء للأفضل»، أو بتعبير أدق «الأقوى».
العالم الذي يصوره الفيلم جرى تصويره في آلاف الأفلام والبرامج التسجيلية التلفزيونية، لكنها لم تعكس هذا العالم بالطريقة التي نجدها في فيلم «الحيوانات شعب جميل». فتميز الفيلم يمكن ملاحظته حتى من عنوانه الذي يعكس مسعى المخرج لمقاربة عالم الحيوان بطريقة تشبهه بعالم الإنسان، وهو يتوصل إلى هذا بطريقتين، الأولى النجاح في تصوير أوضاع أو أحداث تشبه ما يحدث في عالم الإنسان، بعد تتبعها من بدايتها إلى نهايتها، والثانية هي التعليق الساخر الذي يؤنسن الأحداث ويحكي عن الحيوانات والزواحف وغيرها التي تظهر في الفيلم كما لو أنها بشر، فيدل عليها بكلمتي (هو) أو (هي).
الأشخاص من البشر الطبيعيين الوحيدين في الفيلم هم من قبائل البوشمين البدائيين الذين يعيشون في البرية ويشكلون امتدادا طبيعيا لها.
يتعامل المخرج مع الحيوانات في الفيلم وكأنها نجوم في فيلم روائي، لكن نجوم فيلم «الحيوانات شعب جميل»، حيوانات طبيعية للغاية، عفوية في تصرفاتها الغريزية، غير أنها تبدو شبه آدمية في حركاتها وتصرفاتها.
من أبرز المشاهد في الفيلم التي تدل على القدرة على مراقبة الحدث من بدايته حتى نهايته، مشهد القرد الصغير الذي يحاول سرقة بيضة نعامة: يلاحظ القرد أن بيض النعامة متروك بلا حراسة من الأم، يقترب بحذر ثم ما أن يصل إلى البيض حتى يختطف بيضة ويضعها تحت إبطه ثم يفر هاربا، تلاحظ النعامة الأم من بعيد ما حصل فتلاحق القرد بأقصى سرعة، يخاف القرد فيلقي البيضة على الأرض ويستمر في الهرب، تحمل النعامة البيضة وتعود بها وتضعها مع بقية البيض ثم تقف متأهبة، يقف القرد على مسافة منتظرا ابتعاد النعامة ثم يقترب قليلا بحذر، هذه الحركة تستدعي تأهبا من النعامة وتراجعا مقابلا من القرد، يتكرر الوضع إلى أن ييأس القرد فيمضي بعيدا.
يلي هذا المشهد محاولة أخرى لخطف بيضة النعامة لكن هذه المرة من قبل إنسان، حيث يقترب إنسان متنكر في هيئة نعامة بحذر من النعامة الواقفة تحرس بيضها، لكن النعامة لا تنخدع بهيئته، بل تخطو للأمام تحذيرا له، فيخلع عن جسده أدوات التنكر ويفر هاربا ويصل إلى شجرة يختبئ وراء جذعها وينتظر، لكن النعامة أيضا تنتظر متأهبة.
يحفل الفيلم بالعديد من الأحداث أو القصص القصيرة المشابهة، فهناك قصة حيوان الغرير صغير الحجم وعلاقته بالطائر واتفاق (الجنتلمان) بينهما، فالطائر يدل حيوان الغرير على خلية النحل فيقوم الغرير بالاستيلاء على العسل لكنه لا يلتهمه كله، بل يترك للطائر المنتظر على غصن شجرة حصته كمكافأة له على تعاونه، وهناك قصة السمكة التي تحتفظ بصغارها المئة والعشرين في فمها ثم تدعهم يلعبون خارج فمها حين يشتد إزعاجهم لها فينطلقون نحو فضاء البحر.
في بعض المشاهد نراقب الحيوانات والطيور تتصرف كما لو أننا أمام ممثلين يؤدون أدوارا مختلفة.
يعد «الحيوانات شعب جميل» نموذجا على قدرة السينما التسجيلية على أن تكون فنا راقيا، وهو فيلم تسجيلي صاف بامتياز غير أنه يتعامل مع مادته كما لو أنها دراما روائية.