نظمت جمعية تواصل الثقافية، ندوة حول «العلاقة بين الأدب والمكان»، في دارة الكاتب والباحث في التراث نايف النوايسة بحضور مساعدة أمين عام وزارة الثقافة، مديرة ثقافة الكرك، وعدد من الأكاديميين والنقاد والأدباء والشخصيات الثقافية.
جاءت الندوة التي استهلت بنص لحفيدة النوايسة بعنوان «القدس» ضمن برنامج «تواصل» الثقافي ومشروع المسار الثقافي «الدارات».
قدمت د.نعمات الطراونة ورقة توقفت فيها عند المكان الذي اختير لإقامة هذه الندوة جوار مقامات الصحابة شهداء مؤتة، في (بيت الجعفري) الذي يعود بناؤه إلى مطلع القرن الماضي، ويضم الكثير من المفردات التراثية، ومنها: الأزياء والوثائق وأدوات القهوة والحراثة والحصاد وعدد من الصور القديمة لرجالات الكرك والوطن.
وأكدت في الندوة التي أدارها الأديب مفلح العدوان أن المكان ليس مجرد مسرح تدور فيه الأحداث، وإنما هو كائن ينبض بالدلالات الرمزية والاجتماعية والثقافية، ويتحول إلى عنصر فاعل في بنية النص الأدبي تتعدد وظائفه.
وأشارت الطراونة إلى أن المكان يمكن أن يكون حقيقيا وواقعيا، أو رمزيا، وهنا يعبر عن معان أعمق من وجوده المادي، وقد يكون مكانا نفسيا يعكس مشاعر الشخصيات، أو متخيلا، جاء به الكاتب لخدمة أحداث النص.
وبينت أن الأديب النوايسة وظف المكان في كتاباته المسرحية والقصصية وأدب الأطفال، حيث ظهرت في النص عمارات عمان، وحارات القدس، وأماكن الكرك، وسواها من العواصم والمدن العربية والأسواق والحارات والأشجار، وهو ما دفع عددا من النقاد للكتابة عن اهتمامه المكاني.
وذكرت عددا من النقاد الذين التفتوا لتجربة النوايسة المكانية، ومنهم: المغربي د.محمد بو عزة والسوري علي الصيرفي. مشيرة إلى كتاب النوايسة الذي صدر بدعم جمعية «تواصل» الثقافية، وحمل عنوان «لوحات كركية مضيئة، وترجمه للإنجليزية د.فايز الصعوب، كما تحدثت عن صور ورسوم وكتب عن مناطق الكرك وقراها.
وأشارت الطراونة إلى تجربة مفلح العدوان في كتابه الموسوعي «بوح القرى»، الذي يعكس تجذر الناس بالأرض وعلاقتهم الوجودية بها.
وكان العدوان قدم الندوة الحوارية بحديث عما يحمله المكان من أثر يتعدى سياقه المادي، ليتغلغل في حضوره المعنوي والنفسي والإبداعي عند الفنان والأديب، متجليا على شكل نص أدبي، أو لوحة فنية، أو رواية أو قصة، حيث يشكل المكان والأبنية التراثية «ذخيرة ثقافية مشربة بالوعي والأحاسيس والمشاعر والتجارب المتشابكة بين المكان وذات الأديب المبدع».
وأضاف: «على مساحات الوطن نجد هذا الأثر لأمكنته ومواقعه على الأدباء والفنانين والمبدعين، ويتجلى هذا الحضور أكثر في الكرك، بتنوع الجغرافيا وتعدد الأمكنة، وبالتاريخ العريق، والذاكرة المجتمعية التي تسكن هذه الأمكنة والأبنية والدروب، فكل حجر وراءه قصة، وكل بيت يمتلك حكاية».
وتابع العدوان بقوله: «عبر الأديب نايف النوايسة بكل اقتدار وإبداع عن تلك الذاكرة المكانية وعن والإرث الإنساني، من خلال كتابته حول المكان والتراث والتاريخ في الكرك، فظهر ذلك جليا في منتجه الإبداعي الثري في القصة وأدب المكان والتراث وأدب الطفل والأبحاث والنصوص الأدبية بمختلف أشكالها».
بدوره، عبر الأديب النوايسة عن تقديره لجمعية «تواصل» التفاتتها للمكان وجمالياته، ملقيا الضوء على مشروعه الثقافي، والأمكنة التي استمد منها نصوصه وأفكاره في المسرح وأدب الأطفال والدراسات والبحوث التراثية.
وتحدث عن اختياره لإقامة الندوة في هذا المكان (بيت الجعفري/ جمعية المزار الجنوبي)، لما له من أثر في وجدانه.
وتحدثت عروبة الشمالية عن ثراء المكان في محافظة الكرك وجمالياته وطبيعته وعمق تاريخه وكفاح أبنائه الذين خلدوا المكان بنصوصهم الإبداعية. إلى ذلك، قرأ الشاعران كامل الطراونة ومحمد القضاة قصائد جالت مناطق الكرك وعرجت على القدس. فيما رحب رئيس جمعية الجعفرية سامر الجعافرة بالحضور، ملقيا الضوء على تاريخ البيت.
وقال د.سالم الفقير: «تعد العمارة التراثية محفزا للكاتب على إدراج سيرته الذاتية وسير الآخرين أيضا ضمن منظومات أدبية ثقافية تقدم للمجتمع، ولا سيما أن المكان التراثي الذي توجد فيه هذه الفعالية ترك انطباعا جميلا وترك تعلقا ثقافيا فيما يتصل بعلاقة الإنسان والمكان».
من جهتها، قالت رئيسة جمعية «تواصل» ريما ملحم إن المكان «ارتبط بالكاتب النوايسة دون أن يتكلفه، فهو يتشبع بالمكان، وهو يبرز علاقة المكان بالإنسان».