تعد «الأرامل» المسرحية الثانية للمخرج عبدالله جريان من أعمال الكاتب التشيلي آرييل دورفمان، إذ سبق لجريان أن قدم «الموت والعذراء»، التي تحدثت عن انتهاكات حقوق الإنسان إبان حكم الجنرال بينوتشيه، وعلى منوالها، تدين مسرحية «الأرامل» الانقلاب على الحكومة المنتخبة عام 1973، وتفضح الممارسات الاستبدادية والإبادة الجماعية التي تسببت في ظهور عدد كبير من الأرامل.
طُرحت مجريات المسرحية التي اختتمت فعاليات الموسم المسرحي الذي نظمته مديرية الفنون والمسرح بوزارة الثقافة مؤخراً، في مدينة غير محددة، وفي أحد المجتمعات الإنسانية، وفي الزمن الراهن. وفي السياق حضرت جماليات عناصر الفضاء المسرحي رمزيةً، لحكاية بدأت أحداثها بقذف أمواج البحر بشكل يومي، لجثث مهشمة على شاطئ بحر هذه المدينة.
وبينت هذه الأحداث أن هذه الجثث كانت تلقيها أجهزة أمنية في هذه المدينة في عرض البحر، لأناس عُذبوا حتى الموت. ومع جريان الأيام، كانت تزداد هذه الجثث، وفي الوقت نفسه وبالتوازي أيضاً يزداد عدد الأرامل في المدينة.
انشغلت الرؤية الإخراجية أساسًا، أثناء اندفاع الأحداث إلى الأمام، على تعميق فكرة الشخوص المقارنة، كأحد أهم العناصر الدرامية في هذا الشكل المسرحي للعرض، وتم صياغة وتصميم السينغرافيا البصرية والبناء الصوتي لهما استناداً إلى هذه الفكرة.
فظهرت شخصيتا (القائد) و(الضابط) المتنمرتان على الابنة (إم غازي) المسحوقة ألماً على والدها، والتي تٌطالبهما بتسليمها جثته، لتدفنه بطريقة تليق به وبتضحياته، وفي النهاية استطاعت أن تنشئ رأياً عاماً في المدينة يساندها في مطلبها.
بينما رصد تصميم أداء شخصية (الطبيب الشرعي)، ظهورها منافقة تقف مع الطرف القوي، حيث غير رأيه بأن آثار التشوهات على الجثة سببها التعذيب، وصرح بأن التشوهات ناتجة عن مياه البحر، بينما حافظت شخصية (الشيخ) على موقفها في مساندة الأرامل.. وإلى غير ذلك من حضور المقارنات بين أمزجة وهواجس الشخوص التي عبرت عن شرائح اجتماعية مختلفة، والتي كان لها أثر كبير في تنوع فضاءات العرض.
تمظهرت السينغرافيا عناصرَ بصرية جمالية، أنجزها ماهر جريان، وجاءت الإضاءة وفق ثلاثة مسارت ساقطة من أعلى المسرح؛ اثنان منحرفان بزاوية 45 درجة، أحدهما من اليمين والآخر من اليسار، وهما على مستوى أرضية المسرح، والثالث بينهما ساقط يشكل زاوية قائمة، وكان هذا التشكيل هو السائد طيلة العرض مشكلاً بنجاح الإضاءة المنتشرة لمشاهد المسرحية ولوحاتها.
يضاف إلى ذلك حضور مسارين ضوئيين على أرضية المسرح، من الأمام والخلف، ليشكلا طريقين للشخوص، في اتجاهات مختلفة، في دخولها وخروجها من المسرح إليه.
وأشارت تصميمات أزياء الملابس النسائية إلى أن الأحداث تجري في فضاء عربي محافظ، وعمقت تصميمات الملابس رسم الشخوص في مواقعها الاجتماعية، من حيث ظهورها على خشبة المسرح؛ كقائد المدينة، وضابط الأمن، وشيخ المسجد.
انحاز المُخرج في هذا العرض، كما في أغلب عروضه، إلى تقنيات (المسرح الفقير) التي أسسها جيرزي غروتوفسكي في إنشاء الفضاء الدلالي للعرض، بمعنى أن بؤرة انشغاله ترتكز على الممثل، فنياً وفكرياً، فتتكامل فيه طاقة الفعل، بحيث تتناغم التقنيات النفسية والجسدية في أدائه، وما ظهور العناصر الأخرى إلا مكملات له.
وكان من علامات نجاح جريان إخراجياً، أن المسرح غاب عنه الديكور تماماً، سوى حضور بعض القطع، مثل الكرسي ومظلة البحر، إلا أن المشاهد لم يشعر بتاتاً بهذا الغياب.
المسرحية من تمثيل: ثامر خالدة، دانا أبو لبن، يارا ارشيد، عمر حلمي، صلاح عيسى، عثمان عاشور. مشاركة فنية: منذر خليل. مدير إنتاج كرم السرحان. مدير خشبة: مصطفى جريان. مساعد مخرج: مصعب خوالدة.