الطلاق المستحدث.. قرار متسرع في زمن التكنولوجيا والضغوط الاقتصادية

تاريخ النشر : الأربعاء 01:13 15-10-2025
No Image

لم يمض أكثر من عام على زواج خلود وسمير حتى وجدت خلود نفسها واقفة أمام المحكمة الشرعية تطلب إنهاء حياتها الزوجية، لم يكن السبب خيانة ولا عنفاً، بل شيء أكثر صمتاً وبروداً: غياب التواصل.تقول خلود (27 عاماً): «ظننت أن الزواج سيكون نهاية سعيدة، لكنه تحول إلى عزلة تحت سقف واحد، «كنت أعيش مع رجل لكنه حاضر بجسده فقط، بينما قلبه وعقله غارقان في هاتفه».

خلود وصفت حياتها بأنها صارت تآكلاً صامتاً، «فكل خلاف يبدأ بتعليق على منشور أو إعجاب عابر، لينتهي بصمت طويل وفتور لا يُحتمل»، وتضيف «صرنا غرباء، لا ضحك ولا حديث، فقط ساعات تمضي بانتظار نهاية اليوم». ظاهرة تتوسع

قصة خلود ليست استثناءً، فمئات القضايا المماثلة تتوالى على المحاكم الشرعية تحت ما يصفه الخبراء بـ «الطلاق المستحدث»، طلاق لا تحركه الأسباب التقليدية، بل ضغوط جديدة أبرزها التكنلوجيا المتطورة، انشغال الأزواج بمواقع التواصل الاجتماعي، غياب الحوار، تبدّل الأدوار داخل الأسرة، وضغوط اقتصادية متراكمة.

الأسباب والحلول

يشير مفتي محافظة العاصمة، فضيلة الدكتور محمد يونس الزعبي من دائرة الإفتاء العام، إلى أن الأسرة في الإسلام تحظى بمكانة عظيمة، وأن رباطها رباط مقدس، وهي اللبنة الأولى في بناء المجتمع وتكوينه. ويؤكد الزعبي أن بقدر تماسك الأسرة يكون تماسك المجتمع، مشيراً إلى أن الحياة الأسرية في الأردن تشهد تحولات صارخة، لم تعد المشكلات الزوجية محصورة في خلافات تقليدية فقط، بل دخلت التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي كمحرك مؤثر، إلى جانب تحولات في أدوار الزوجين وضغوط اقتصادية متزايدة، ما يساهم في تصاعد ما يعرف بـ» الطلاق المستحدث».

التطور التكنولوجي ووسائل التواصل:محرّك التحول

يبرز د.الزعبي أن الهواتف الذكية والتطبيقات الرقمية تسرق أوقاتاً كان يفترض أن تُستثمر في الحوار وبناء العلاقة الزوجية، ما يؤدي إلى فراغ عاطفي لا يعوضه تفاعل رقمي سطحي.

العلاقات الافتراضية والخيانة الرقمية

ويشير إلى أن العلاقات الافتراضية والخيانة الرقمية تؤدي إلى انهيار الثقة، حتى مجرد الشك بوجود علاقة رقمية يكفي لتفجير الخلافات. كما أن ثقافة المقارنة مع الصور المزيفة على منصات التواصل ترفع سقف التوقعات، وتولد إحباطاً يدفع إلى طلب الطلاق، والبحث عن شريك مثالي غير موجود على أرض الواقع.

الاستشارات الرقمية غير المؤهلة

ويضيف أن المنصات الرقمية قد تسرّع انتشار النزاعات الأسرية بسبب الخوارزميات التي تعزز المحتوى العاطفي والشائعات، فيما يسهم اللجوء إلى الاستشارات الرقمية غير المؤهلة في تدهور الموقف بدلاً من ترقيته.

التقليد الأعمى من قبل الزوج أو الزوجة للغير

وينوه د. الزعبي إلى أن التقليد الأعمى لبعض الممارسات المبالغ فيها في الزواج، بدءاً من حفلات الزفاف الفخمة وصولاً إلى شهر العسل الباهظ التكاليف، يثقل كاهل الزوج أو الزوجة، وقد يؤدي إلى الانسحاب أو الانفصال بعد الاحتفال مباشرة.

ضغوط وتوتر

يشير د.الزعبي إلى أن مشاركة المرأة في سوق العمل رغم أهميتها الاجتماعية، تتطلب إعادة تفاهم في تقسيم الأعمال المنزلية وتوفير الدعم النظامي، وغياب ذلك يضع المرأة تحت عبء مزدوج، ما يخلق توتراً داخل الأسرة. كما أن تراجع الدور الاقتصادي التقليدي للرجل بسبب البطالة أو انخفاض الدخل يخلق صراعات على الهيبة والمكانة، فيما يولد صراع الهوية والضغط النفسي احتقاناً يؤثر على العلاقة الزوجية واتخاذ القرار المشترك.

الوضع الاقتصادي

ويوضح د.الزعبي أن ارتفاع تكاليف السكن والمعيشة وتحمل الديون والاستهلاك يزيد من توتر الأسرة ويحوّل الخلافات البسيطة إلى أزمات، كما أن تأجيل الإنجاب أو الاستثمار في التعليم والاستقرار يقلل من الأهداف المشتركة ويضعف الشراكة طويلة الأمد.

وعلى مستوى الزوجين والأسرة، يقترح الزعبي إبرام «اتفاقية رقمية زوجية» تتضمن أوقاتاً خالية من الشاشات وقواعد خصوصية، وتخصيص «ساعات زوجية» أسبوعية، إضافة إلى جلسات مالية دورية لوضع ميزانية مشتركة وتقليل الديون.

وعلى مستوى العمل والمؤسسات، يدعو إلى حوافز لتطبيق ساعات مرنة والعمل عن بُعد، وتوفير حضانات، إلى جانب برامج تدريب مهني ودعم مؤقت للدخل لتقليل حالة عدم الاستقرار.

أما على مستوى المجتمع والدولة، فيوصي بإطلاق مبادرات عمل وتأهيل للشباب للحصول على دخل ثابت، وتأسيس مراكز وساطة أسرية رقمية وميدانية توفر استشارات متخصصة، وإطلاق حملات توعية رقمية حول الخصوصية ومخاطر الخيانة الإلكترونية وإدارة الضغوط المالية.

ويختم د.الزعبي بالقول إن التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي، مع تغير أدوار الأسرة والوضع الاقتصادي، تخلق تحدياً جديداً لمؤسسة الزواج في الأردن، لكن الاتفاقات الزوجية الحديثة، وسياسات العمل المرنة، والدعم الاقتصادي والاجتماعي، والحد من السلوكيات المبالغ فيها، يمكن أن تساهم في الحفاظ على استقرار الأسرة في عصر متغير.

ويكشف التقرير الإحصائي السنوي للمحاكم الشرعية في الأردن، ارتفاع عدد حالات الطلاق في المملكة خلال العام الماضي إلى 25 ألفا و943 حالة منها 19 ألفا و106 حالات بموجب حجج شرعية، مقارنة بـ 19 ألفا و36 حالة بموجب حجج شرعية في العام 2023.

ووفقا للتقرير الصادر عن دائرة قاضي القضاة، فإن 3654 حالة طلاق تمت في العام 2024 هي من حالات الزواج التي سجلت في العام ذاته، منها 213 طلاقا رجعيا و2681 طلاقا بائنا بينونة صغرى قبل الدخول، و731 بائنا صغرى بعد الدخول، و29 بائنا بينونة كبرى.

وثبتت نسبة اجمالي حالات الطلاق إلى اجمالي حالات الزواج عند 5.8%.ولم تسجل أي حالات طلاق لأزواج ذكور في الفئة العمرية أقل من 18 عاما، بين حالات زواج المسجلة عام 2024، فيما كانت الفئة العمرية الأكثر طلاقا من حالات زواج العام ذاته هي من 30–40 سنة.

وسجلت العام الماضي 5822 حالة طلاق بالتفريق القضائي بنسبة 22% من الحالات، و359 طلاقا بالافتداء بنسبة 1%، و656 طلاقا بموجب اتفاقيات لدى مكاتب الاصلاح الاسري بنسبة 3%.

خبراء: الخلافات الصغيرة تطيح بالبيوت

الدكتور حسين الخزاعي، الأكاديمي المتخصص في علم الاجتماع، يؤكد أن أكثر من 80% من حالات الطلاق سببها خلافات بسيطة يمكن احتواؤها لولا غياب ثقافة الحوار، ويقول: «الطلاق لا يحدث بسبب الخلافات بحد ذاتها، بل لأن هذه الخلافات تُدار بطريقة خاطئة، تتحول معها المشكلة العابرة إلى شرخ دائم."

ويضيف الخزاعي أن غياب الاحترام المتبادل يقوّض أسس الحياة الزوجية، وأن تأجيل مواجهة المشاكل يحولها إلى أزمات مدمرة، ويؤكد أن «الصمت القاتل والانعزال يقتلان المودة أسرع من أي خلاف."

نحو وعي أسري يحمي المجتمع

ويرى د. الخزاعي أن الحل يكمن في تعزيز ثقافة الحوار والتفاهم، وبناء جسور من الصراحة والاحترام المتبادل، حتى لا تتحوّل الخلافات المؤقتة إلى قرارات مصيرية لا رجعة فيها.

ويضيف الخزاعي إلى أن مواجهة ظاهرة الطلاق تتطلب تعزيز الوعي الأسري، وتهيئة الشباب المقبلين على الزواج بأسس التواصل الإيجابي، مؤكدًا أن الاستقرار الأسري هو حجر الأساس لتماسك المجتمع وتقدّمه.

الشك والغيرة ألغام تدمر العلاقات

من جانبه يرى المحامي أنورالحاج علي أن الشك والغيرة المفرطة من أبرز الأسباب التي ترد يومياً للمحاكم، ويشير إلى أن «الغيرة حين تتجاوز حدها تصبح سماً قاتلاً، والشك يحول البيت إلى ساحة توتر دائم، ومع غياب النية للإصلاح ينتهي الأمر بالانفصال."

الحاج علي ينبه أيضاً إلى عوامل ضاغطة أخرى: غلاء المعيشة، الطلبات المبالغ بها، التدخلات الأسرية السلبية، وحتى تعاطي المخدرات التي تفكك الثقة داخل الأسرة.

دور مديرية الإصلاح والوساطة في الحد من الطلاق بالأردن

يشير الحاج علي إلى الدور البارز الذي تضطلع به مديرية الإصلاح والوساطة والتوفيق الأسري التابعة لدائرة قاضي القضاة، مؤكداً أنها أسهمت بشكل ملموس في الحد من ارتفاع معدلات الطلاق في الأردن، من خلال تدخلها المباشر في القضايا الأسرية ومحاولتها تقريب وجهات النظر بين الأزواج.

وبيّن أن فكرة مكاتب الإصلاح الأسري جاءت استناداً إلى المادة (4) من نظام مكاتب الإصلاح والتوفيق الأسري لسنة 2013، والتي تنص على إنشاء مكاتب إصلاح في المحاكم الشرعية عند الحاجة، بهدف إنهاء النزاعات الأسرية بالطرق الودية، وتوعية الأزواج بحقوقهم وواجباتهم، فضلاً عن تقديم خدمات الإرشاد الأسري.

وأوضح الحاج علي أن الطلاق لم يعد مجرد خلاف عابر بين طرفين، بل تحول إلى ظاهرة مجتمعية تُثقل كاهل الأسرة والمجتمع بأبعادها النفسية والاجتماعية والاقتصادية، ما يجعل من دور المديرية ركيزة أساسية في تعزيز الاستقرار الأسري والحفاظ على النسيج الاجتماعي.

التكنولوجيا… سلاح يهدم الاستقرار

وفي السياق ذاته.. تعتبر تؤكد المستشارة النفسية والأسرية واستاذ مساعد في جامعة فيلادلفيا الدكتورة سميرة الزيود، على أن التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي لعبت دوراً محورياً في انتشار الطلاق المستحدث، وتقول: «المقارنات المستمرة مع حياة الآخرين المثالية على الشاشات خلقت شعوراً بالنقص، وزرعت بذور التذمر داخل العلاقات."

وتضيف:"المؤثرون والمشاهير يروجون لصور مشوهة للعلاقات، فيها زواج سريع وانفصال أسرع، ما يغرس لدى الشباب فكرة أن الطلاق قرار عابر لا تبعات له."

دعوة لإعادة تعريف الزواج

وتحذر د.الزيود من النظرة «الوردية» للزواج التي تروجها الدراما ووسائل التواصل. وتبين أن «الزواج ليس نهاية قصة حب، بل بداية رحلة نضج وتقبّل للآخر بكل عيوبه»، وتشدد على «أن التربية العاطفية والإرشاد النفسي قبل الزواج، والدعم بعده، ضرورة لا رفاهية."

وأكدت د.الزيود، أن الحد من ظاهرة الطلاق المستجد لا يتحقق عبر الضغط أو المنع، بل يبدأ من بناء وعي مجتمعي متكامل، يبدأ في المنزل، ويتعزز في المدارس والجامعات، ويتجذر في دور العبادة، ويُدعَم بالإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي.

وتقول د. الزيود إن «الحياة الزوجية ليست مجرد عقد قانوني، بل «ميثاق غليظ» كما ورد في القرآن الكريم، وهي مشروع إنساني يحتاج إلى تأهيل مسبق، ودعم مستمر بعد التأسيس».

بين الواقع والحقيقة

الطلاق المستحدث بات مرآة لتحولات المجتمع وضغوطه الاقتصادية والرقمية، وبينما يراه البعض خلاصاً من علاقة متآكلة، يراه آخرون تهديداً صامتاً لمستقبل الأسرة.

فالطلاق ليس مجرد ورقة تفصل بين اسمين، بل قرار يعصف بمصير أجيال قادمة، والحفاظ على دفء البيوت، كما يرى الخبراء، يبدأ من كلمة صادقة وحوار بسيط، قبل أن يقتل الصمت ما تبقى من مشاعر.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }