شهد مسرح هاني صنوبر عرض مسرحية «فريجيدير» من تأليف هزاع البراري، وإخراج د.الحاكم مسعود، الذي أعدها بالتشارك مع غنام غنام وعبد الرزاق مطرية، وذلك ضمن الفعالية الثالثة للموسم المسرحي التي تنظمه مديرية الفنون والمسرح في وزارة الثقافة.
بدا النص مُؤلَّفاً مختلفاً عن أجواء «الزمن اليباب» للشاعر الإنجليزي ت. س إليوت، رغم استلهامه منها، وذلك بسبب تبيئته للفضاءات الاجتماعية والثقافية الشرقية عموماً، والعربية خصوصاً، فوصلت فكرة الألم والمعاناة بسبب فضَقد من نحب، وهذه هي الفكرة التي اشتغل عليها الحاكم مسعود في إعداده لنص مسرحيته متجنباً الوقوع في التغريب.
طرحت الحكاية أحداثها في مكان غير محدد، يجسد دائرة وظيفية لثلاجة موتى كبيرة تستقبل جثثاً على مدار اليوم، يتولى مسؤوليتها كادر من الموظفين الذين يتدرجون في المسؤولية، ويضم مدير الموظفين (جسده غنام غنام)، وموظفين جسدهم الممثلون: دلال فياض، ورزان الكردي، وفداء أبو حماد، وحسام حازم، ومحمد المغاريز، وحمزة سبيتان، والطفلة شهد رمزي.
السينغرافيا بصرياً؛ التي صممها محمد المراشدة ورمزي بندورة والحاكم مسعود، ونفذ تقنياتها أحمد الخلايلة ورمزي جاد الله، جاءت على هيئة ممرات ديكورية مستقيمة حول جوانب المسرح الداخلية، وكانت هذه الممرات تتصل مع بعضها بعضاً بزاوية قائمة، بحيث كانت استدارات الممثل في سياق اندفاعاته على الخشبة تأخذ المنحى الحاد، تعزيزاً لبيئة تسهم في إظهار الحدة الانفعالية في أداء الممثل الجسدي، التي كان جُلها شديداً في إطلاق الطاقة الداخلية عند استجابات النفس البشرية للآلام التي تمر بها بقسوة، سواء لفيض المشاعر المتدفقة عن فقد المحبين أو لآثار الإبادة الجماعية الجارية على الشعب الفلسطيني في غزة، في السياق العميق للعرض.
وأسهمت حوارات الشخوص، التي كانت ضمن البناء الصوتي الذي حوى الموسيقى والمؤثرات السمعية، في قوة في إكمال وطرح المعنى، فالحوار الظاهري على سببل المثال (احرسي الثلاجة جيداً)، بينما جاء معناه المضمر أو الرمزي في السياق، أن تخزن الشخوص آلامها في الذاكرة.
وفي تطور الأحداث، أبرزت الرؤية الإخراجية أن معاناة عقول الشخوص لا تتحمل بقاء الألم، ولا تستطيع التخلص منه، فتقوم بتجميده في الذاكرة، لتستمر الشخوص في مسار حياتها، ولكن الألم يعود مرة أخرى في انثيال الذكريات، وبالتالي لا تسمح الذاكرة المُجمدة للألم، بالاحتفاظ به، فيعاد فتحها، وإذا حبست آلامها مرة أخرى فإنها تذهب بصاحبها إلى مآلات سلبية تنجمع في هذه الشخوص، فتحيلها إلى كائنات قلقة، متوترة، غاضبة، لا بل تنقل هذه المآلات إلى الآخرين، وكما كان يقول عالم النفس التحليلي يونغ، «إذا قمعنا هذا المعطى في النفس سينطلق إلى الخارج بصورة سلبية».
تتصل رسائل المسرحية السطحية والمضمرة بالذاكرة البشرية عامة، التي عانت آلام الفقد وغير ذلك من أنواع الآلام، لذلك اختار فريق المسرحية، في نهاية العرض، توجيه تحية لذكرى الراحل خالد الطريفي، بإظهار صورة ضخمة له في عمق المسرح، وكان المشاهد الذي خبر الطريفي، يعرف أن التحية من فريق المسرحية ستكون له، قبل أن تظهر هذه الصورة، عندما قالت شخصية مدير الموظفين: (كل عام وانتم بخير)، لأن هذه العبارة كانت لازمة في أحاديث الفنان الراحل.
برع الممثلون في أداء تصميم الرؤية الإخراجية، وبخاصة في طرح الانفعال الشديد والانفجارات العاطفية، عند تجميد الألم، وفي نهاية العرض وجهوا فيض انفعالاتهم تجاه مكان زميلهم الراحل؛ بقول شخصية مدير الموظفين في معنى رمزي: (لا تذهب.. ابق موجوداً هناك لأبقى أنا هنا).
وفي الوقت نفسه، فإن ثمن هذه الديمومة، تجرع آلام الفقد، صيّرته المعالجة الإخراجية معطى درامياً إيجابياً، حيث حولت ألم الفقد إلى طاقة إيجابية، بإرسال رسائل العرض، وذكريات الممثلين الجميلة، تحيةً إلى زميلهم الراحل خالد الطريفي، وهنا خرج المشاهد المتابع للعرض وهو في مزاج إيجابي، بفعل تغير فهمه لألم الفقد كمعى (سايكودرامي)، بمعنى خروج المتلقي بمزاج مختلف عما كان يحمله قبل حضوره لهذا العرض.
يذكرنا العرض بحتمية الموت، كثيمة هي الأهم من بين الثيم المسرحية في العالم، إلى جانب ثيمة حب الحياة، إذ،تٌعد هاتان الثيمتان من السنن الكونية المسؤولة عن ديمومة الحياة البشرية، ذلك أن ثنائية (الموت/ الحياة)، تتصارع في الوعي واللاعي للإنسان، وتدفعه دائما إلى الأمام، كأنه خالد تارةً، وفانٍ لا محالة تارةً أخرى.