في عمل فكري غير تقليدي، يأخذنا الباحث صادق إنعام الخواجا في رسالة فلسفية بعنوان «رسالة في اللغة والمنطق» إلى عوالم نادرة الاستكشاف، عوالم تُعيد تعريف اللغة والمنطق بوصفهما جوهر الوجود الإنساني لا مجرد أدوات تواصل أو تفكير عادية.
تقوم رسالة الكتاب الصادر عن «الآن ناشرون وموزعون» (2025)، على فرضية عميقة ومبتكرة: أن اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي الكينونة ذاتها، جوهر التفكير ذاته. فهي «ليست مجرد أصوات يلفظها الإنسان، بل نظام داخلي معقّد يُفعّل الذاكرة وينظّم فعل العقل ويُنتج الفكر بشكل متداخل لا انفصال فيه».
من هذا المنطلق، يتتبع المؤلف بتأنٍّ العلاقة بين الصوت والنطق والمعنى، ليصل إلى استنتاج مركزي مفاده أن «كل فكرة هي كلمة، وكل كلمة هي فكرة، لا يمكن فصلها أو التعامل معها ككيانَيْن مستقلّيْن».
ينظر الخواجا إلى اللغة كنظام صوتي وجدلي يعكس تركيب الجسد الإنساني وتفاعلاته مع محيطه، مستعرضاً كيف تنشأ اللغة من تفاعل الأصوات الداخلية للإنسان -كنبض القلب، وأنفاس الرئتين، وتناغم الأعضاء المختلفة- مع الأصوات الخارجية التي يلتقطها من العالم. هذه الأصوات، التي قد تبدو عشوائية في ظاهرها، تتحول عبر عمليات عقلية وعصبية معقدة إلى تراكيب لغوية محملة بالمعنى، ومنها يُبنى نسيج المعرفة الذي يُخزّن ويُستعاد ويُطوّر الحضارة الإنسانية.
ويمتد النقاش في الرسالة إلى مفهوم المنطق، حيث يفكك الخواجا المفهوم التقليدي السائد للمنطق بوصفه قواعد صورية جامدة ومعزولة عن الواقع، ليعيد تأسيسه كمنهج جدلي ينبع من الواقع ويتحرك معه. فالمنطق عنده ليس معياراً نهائياً للحقيقة، بل هو «أداة لغوية حية لوصف الحقيقة وتشكيلها وتطويرها عبر الزمن».
ويقارن الخواجا بين المنطق الأرسطي التقليدي، والمنطق البياني عند المعتزلة، والمنطق الجدلي عند هيجل، ليخلص إلى ضرورة «تأسيس منطق لغوي جديد ينبع من طبيعة اللغة ذاتها، وليس من قواعد مفروضة عليها من الخارج».
واحدة من أبرز مميزات هذه الرسالة هي انفتاحها على مصادر فكرية عميقة، لكنها مهملة أو غير معروفة في سياقات الدراسة التقليدية، مثل أعمال علي زيغور، وأحمد الداوود، وعالم سبيط النيلي، وعلي فهمي خشيم. هؤلاء المفكرون «يشكلون جبهة تفكر في اللغة من خارج المنظومة الغربية السائدة، ويعيدون الاعتبار لمفهوم الحرف العربي كوحدة دلالية متعددة الأبعاد تجمع بين الشعور والنطق والبعد النفسي». وتفتح هذه الرؤية آفاقاً جديدة لفهم اللغة العربية على نحو «يتجاوز مجرد كونها أداة اتصال، لتصبح كياناً ذا حضور وتأثير حيّ في تكوين الفكر».
توجّه الرسالة أيضاً نقداً ضمنياً إلى المنظور الأوروبي السائد في دراسة اللغة، الذي يربط بين الكتابة وتعدد الشعوب، ويرى المؤلف في اختلاف الرموز دليلاً على اختلاف الأجناس والثقافات، وهو منظور «قلّص من وحدة اللغة العربية وجعلها عرضة للانقسامات والتجزئة». في المقابل، يقدم الخواجا رؤية عربية-جغرافية توضح أن اللغة العربية «نظام صوتي موحد يمتد عبر الزمان والمكان، لا يحتاج إلى فرض سلطوي أو قوة خارجية لتثبيته أو تأكيد وحدته».
ولا يمكن حصر «رسالة في اللغة والمنطق» بكونه مجرد دراسة تحليلية للغة والمنطق، بل هو «تجربة فكرية عميقة تعيد للغة قدسيتها، وللفكر أصالته، وتفتح مساراً لتجديد البناء المعرفي العربي من الداخل، انطلاقاً من مفاهيم ذاتية نابضة بالحياة تعكس عمق الحضارة والثقافة العربية في أبهى صوره».