تكشف مسرحية "مكسور" التي افتتحت عروض الموسم المسرحي لعام 2025، عن غياب ثقافتنا وقيم بيئتنا الاجتماعية الحميدة في رسائل جُل النصوص الدرامية.
فقد انجمعت هذه الثقافة وهذه القيم في مفردات كثيرة، أبرزها (رسالة عمان) التي تبين حقيقة الإسلام السمحة، وتعالج ظاهرتي التطرف والتعصب، وتدعو إلى العدالة في معاملة الآخرين وإلى صيانة حقوقهم وتكريم الإنسان بصرف النظر عن لونه أو جنسه أو دينه، وكذلك الرفق واللين والتوازن والاعتدال والتوسط والتسامح والعفو، واحترام المواثيق والعهود، وتحريم الغدر.
لقد استقت هذه المسرحية الاغترابية رسائلها من الفكر العبثي الغربي، في أعتى موجاته العدمية، حيث التبشير بالجدوى وتكريس عبثية الوجود الإنساني برمته، والتشكيك بالذات وبالهوية، ما قد يدفع بعض الجمهور للشك بوجود تحولات إيجابية ممكنة في الحياة عامة.
هذا ما أشارت إليه حوارات الشخوص في سياقات البناء السطحي للعرض: (لم تعرف نفسها هذه الشخوص من هي، ومن نحن، وكيف كنا، أفرغوك من ذاتك، انتهت صلاحياتنا، سيتم استبدال آخرين بنا، أنا تالفة، كأن القرف يملؤني، الموت تمدد فأصبح الحياة، كانوا يعتقدون بأنهم سيغيرون حياتهم لكنهم لم يفعلوا).
ورغم وجود انثيالات في البناء العميق، تنقد أنظمة المجتمعات لجهة البيروقراطية، والسخرية من تفاهات الواقع الاجتماعي، إلا أن حضور العجز واللاجدوى تكرس بقوة في رسائل هذه المسرحية، وهي من تأليف نزار عويس، وإخراج عمر الضمور.
وبالتالي، كان لا بد ونحن نستقرئ مشاهد المسرحية التي عرضت على مسرح هاني صنوير، في المركز الثقافي الملكي، من الإشارة إلى القيم الغائبة في المعالجات المسرحية العربية، كما في هذه المسرحية، لجهة اغتراب رسائلها عن بيئتها وقيمها. فلا أحد يشك بالتدهور الاقتصادي الوالغ في أغلب المجتمعات، وغياب الحريات العامة، وارتفاع مسوى المعيشة، وإلى غير ذلك من الظواهر المشابهة، التي تفرز تداعيات اجتماعية متوترة، وفي أحيان ثقافة كوزموبولوتية غير منتمية للبيئة المعاشة.
إلا أن قيمنا ومخزوننا القيمي، يقومان على الإصلاح، والقدرة على إحداث تغييرات ايجابية. وليس الوقوع في براثن الفضاءات العبثية.
وبالانتقال إلى تقنيات المسرحية، لا بد من التنويه إلى الحضور القوي للرؤى الإخراجية للضمور، المؤشرة إلى طاقة شابة صاعدة في عالم المسرح، لجهة الاشتغال على إنشاء الفضاء الدلالي، الزاخر بالعلامات البصرية والصوتية، فنجح هنا في هذا العرض، بمستويات جمالية أكثر مما شاهدنا في عروضه السابقة؛ كما في "جلاتيا" 2019، و"طرق" 2020، و"تراب" 2025.
لا بد من الإشارة على الحضور اللافت للرؤى الإخراجية للضمور، واشتغاله تحديداً على تقنيات الممثل الجسدية، مُطلقاً الطاقة القصوى من أجسادهم، في إيقاع سريع ومتسارع، حتى نهاية العرض، وفق منظورات دلالية، طارحةً الصورة المسرحية، لغة التعبير الأساس، في التواصل مع الجمهور.
حيث حضرت مسألة شدة إطلاق هذه التقنيات سواء الداخلية أو الخارجية، في تماه مع تقنيات "مسرح الغضب" للكاتب البريطاني جون اوزبورن، التي رصدت حالات التهميش، والغضب الاجتماعي من قبل جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية في بريطانيا.
ذلك أن الفضاءات المسرحية لهذا العرض اقتربت إلى حد ليس بالقليل من الفضاءات العبثية؛ حيث كانت مفاعيل اللغة فاقدة لمحتواها، للدرجة التي ظهرت فيها لغة الجسد الأكثر قدرة على قول ما لم تقله الكلمة، لما يمور في نفوس هذه الشخوص التائهة، والتي ترى حياتها بلا معنى، في صراعها الداخلي، لتكشف حقيقة نفسها، دونما جدوى.
كما نجحت هذه الرؤية في إظهار أحداث المسرحية الني تقوم على صراع ابناء العائلة فيما بينهم، من جهة، وصراعهم مع شخوص آخرين، كانوا المسؤولين عما آلت اليه أحوال هذه العائلة، لكن حضورهم دلالياً كان عبر ذكرهم في حوارات شخوص هذه العائلة.
هذه التأشيرات الدلالية الوجودية العبثية السابقة، حضرت على سبيل المثال في شخصية الأم، فهي بحسب حواراتها؛ تكره وتقرف من نفسها، وتحمل أبنائها في البناء السطحي للعرض مسألة هذا المزاج السلبي الملازم لها، وكان الأبناء بدورهم يتساءلون: (أي أم أنت؟).
إن المسرح العربي، لجهة التأليف المسرحي، لا يزال في حالة نكوص، بسبب عدم (تبيئة) الفضاءات الدرامية بالعلوم الاجتماعية؛ كعلم العمران الاجتماعي بمفهوم إبن خلدون، والذي من مفاهيمه أن الإنسان مدني الطيع، لا يستطيع العيش بدون التواصل الإيجابي مع أبناء جنسه. وتعد مسألة غياب هذه التبيئة عن النصوص المسرحية، معطى هاماً، بالإضافة لمعطيات أخرى هي المسؤولة عن اغتراب المسرح عن العامة من الناس، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى، أكد هذا العرض أن عمر الضمور قد حجز لنفسه بقوة، مقعداً راسخاً بين المخرجين الشباب، لمحافظته على تطوير تقنياته ورؤاه الإخراجية.
قدم مختلف الشخوص: أحمد اسماعيل، بتول الضمور، زيد السيوف، وتمارا الوقاد، تصميم الإضاءة: دانا أبو لبن، إنتاج موسيقي: قاصد إحسان، تصميم المكياج: رولا عيسى، تدريب هاموك، آية اية وزني، كوريوجراف مشارك: لور مدانات، إدارة خشبة: عبادة الضمور.