في كل عام، يطلّ علينا تشرين الأول مرتديًا اللون الوردي، ليذكّرنا بأن الحياة تستحق أن نصونها، وأن الصحة ليست أمرًا مؤجلاً. سرطان الثدي، أكثر أنواع السرطان شيوعًا بين النساء عالميًا، لم يعد كما كان يُنظر إليه قديمًا باعتباره حكمًا قاسيًا بالموت. بل هو مرض يمكن الانتصار عليه، شرط أن نمتلك الشجاعة لمواجهته مبكرًا.
الخوف، وحده، هو الخصم الأول. خوف المرأة من زيارة العيادة، من الفحص الذاتي، من سماع تشخيص قد يهزّ كيانها. لكن الحقيقة أن هذا الخوف يفتح الباب للمرض ليتمدد بصمت، بينما الفحص المبكر يغلق الأبواب في وجهه، ويجعل رحلة العلاج أقصر وأخف أثرًا.
رسالتنا اليوم ليست للنساء فقط، بل لكل بيت أردني: السرطان لا يفرق بين أم أو ابنة أو أخت. والمسؤولية جماعية؛ فالتشجيع على الفحص المبكر فعل محبة وواجب إنساني. كم من امرأة أنقذتها نصيحة من صديقة، أو تذكير من زوج، أو دعم من ابن.
تشير الدراسات الطبية إلى أن نسب الشفاء من سرطان الثدي قد تتجاوز 95% عند اكتشافه في مراحله الأولى. هذه النسبة ليست مجرد رقم، بل حياة كاملة يمكن أن تُعاش، أحلام تُستكمل، وأطفال يكبرون في حضن أمهاتهم بدل أن يكبروا على ذكراها.
الوعي ليس ترفًا ولا شعارًا موسميًا، بل هو درع يحمي مجتمعنا بأكمله. ومن هنا ندعو كل امرأة: قومي بفحصك الذاتي مرة كل شهر، ولا تترددي بزيارة الطبيب عند ملاحظة أي تغيير. تذكري أن كل دقيقة تؤجلين فيها الفحص قد تكون أثقل من شهور العلاج.
كم من امرأة خرجت من غرفة التشخيص مثقلة بالقلق، لكنها عادت بعد العلاج أكثر قوة وإصرارًا على مواصلة حياتها. قصص الناجيات ليست حكايات عن المرض فقط، بل عن الأمل، عن لحظة انتصارٍ على الخوف، وعن إرادة تحوّل الألم إلى درس في الشجاعة. هؤلاء السيدات يرسلن لنا جميعًا رسالة واضحة: «الكشف المبكر منحنا فرصة جديدة للحياة».
قد تتردد بعض النساء في اتخاذ قرار الفحص وحدهن، وهنا يأتي دور الأسرة. كلمة مشجعة من الزوج، أو مبادرة من الابنة لمرافقة أمها إلى العيادة، قد تكون فارقة. الأسرة ليست فقط الداعم أثناء العلاج، بل هي الحافز الأول لخطوة الوقاية. ومن هنا، يصبح الوعي مسؤولية مشتركة تتجاوز الفرد إلى المجتمع.
ولا تزال بعض النساء يترددن في الحديث عن سرطان الثدي خوفًا من «نظرة المجتمع»، وكأن المرض عار أو ضعف. هذه الوصمة أخطر من المرض ذاته، لأنها تُدخل المرأة في عزلة صامتة. علينا أن نواجه هذا الفكر بنقاش صريح وحملات توعية تُعيد للمرأة ثقتها بأن صحتها حق لا يُنتقص، وأن الفحص المبكر لا يقل شرفًا عن أي إنجاز آخر تحققه في حياتها.
واليوم، بفضل التقدم الطبي، لم يعد علاج سرطان الثدي كما كان قبل عقود. هناك جراحات دقيقة تحفظ الشكل، وأدوية حديثة تقلل من المعاناة، وبرامج دعم نفسي تُعيد للمرأة توازنها الداخلي. كل هذه التطورات تمنحنا طمأنينة بأن الطريق لم يعد مظلمًا، وأن الكشف المبكر يفتح أبوابًا لخيارات علاجية متعددة تخفف الألم وتُعزز فرص الشفاء.
المرض لا يهاجم الجسد فقط، بل يلامس النفس أيضًا. لحظة سماع كلمة «سرطان» قد تثير زلزالًا داخليًا من القلق والصدمة والإنكار. كثير من النساء يمررن بمراحل انفعالية تشبه الحداد: صدمة، ثم رفض، ثم غضب، وأخيرًا قبول. وهنا يبرز دور الدعم النفسي كجزء لا يتجزأ من العلاج؛ فالكلمة المشجعة من طبيب، أو حضن داعم من ابن، أو جلسة علاج نفسي، قد ترفع المناعة النفسية وتمنح المرأة قوةً تخفف من حدة الألم وتسهل عليها تقبّل العلاج. الصحة النفسية ليست رفاهية في مواجهة السرطان، بل هي جسر يساعد المريضة على أن ترى في العلاج طريقًا للشفاء لا عقوبة، وفي المرض تحديًا لا نهاية.
فلنجعل من أكتوبر هذا العام بداية لثقافة دائمة: ثقافة كسر الخوف، وثقافة الاحتفاء بالحياة. لأننا جميعًا نستحق أن نعيش بصحة، وأن نكتب قصصنا بصفحات وردية لا سوداء.
"لا تخافي من الفحص، خافي من الانتظار… فالحياة تستحق أن نحميها قبل أن يفوت الأوان».
د.ناديا محمد نصير / أخصائيه العلاج النفسي