افتتح الشيخ د.سلطان القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، مركز الدراسات العربية في جامعة كويمبرا البرتغالية.
ويمنح افتتاح المركز في الجامعة التي تأسست عام 1290م، قيمة أكاديمية وثقافية رفيعة، ويجعل منه منصة مؤثرة لتعزيز التواصل بين الثقافة العربية والتجربة الأكاديمية الأوروبية.
ووفقا لبيان صحفي، من المتوقع أن ينظم المركز برامج متخصصة لتعليم العربية، ويقدم مناهج متقدمة لتعليم قواعد اللغة كما سينظم ندوات وملتقيات ثقافية تجمع الكُتّاب والمبدعين العرب مع نظرائهم في البرتغال وأوروبا، إلى جانب دعوة شعراء وكتّاب من العالم العربي للمشاركة في فعاليات أدبية وفكرية، ما يسهم في توسيع آفاق التبادل الثقافي وتعميق التفاهم الإنساني بين العالمين العربي والأوروبي.
وسيعمل المركز كحلقة وصل بين الجامعات ومراكز البحث من جهة، والنتاج الثقافي والإبداعي العربي من جهة أخرى، ليكون مركزًا حيويًا للتعاون والحوار المستمر.
وزار حاكم الشارقة مكتبة جوانينا التاريخية ضمن جامعة كويمبرا التي احتضنت الحفل المقام بمناسبة افتتاح مركز الدراسات العربية وإطلاق مكتبة جوانينا الرقمية، حيث ألقى كلمةً خلال الحفل، قال فيها: "بدأت علاقتي بالتاريخ البرتغالي منذ سنوات طويلة، عملت فيها على توثيق تاريخ بلادنا في مرحلة كان البرتغاليون جزءاً منها، وواحدة من أهم رحلاتي مع هذا التاريخ كانت رحلتي في البحث عن مخطوطة باربوزا، التي كانت مفقودة لمدة تقارب 100 عام، قبل أن تكتشف، واقتنيتها عام 2012".
وحول مخطوطة باربوزا، أوضح القاسمي: "تتحدث هذه المخطوطة عن نص كتبه الضابط البرتغالي "دوارتي باربوزا" الذي رافق قادة الاحتلال البرتغالي في القرن 16 من خليج سان سباستيان إلى سواحل الصين مروراً بمنطقتنا في الخليج العربي، تتبعت أثر هذه المخطوطة من أرشيف إلى آخر، ومن مرجع إلى آخر، حتى وصلت إلى نسخة كاملة فقرأتها بعناية، ووجدت فيها صورة مختلفة تماماً لما نُقل إلينا من روايات عن تلك المرحلة التاريخية".
وأشاد حاكم الشارقة بنزاهة وصدق باربوزا في وصفه ونقله لما شاهده، قائلاً: "أول ما لاحظته في المخطوطة أن الكاتب تحلى فيها بالنزاهة في الوصف، وصدق في النقل، وهو ما جعلها شهادة نادرة على تفاصيل دقيقة عن واقع منطقتنا في ذلك الزمان، وعن طبيعة العلاقة بين شعوبها والوافدين إليها من بعيد، لقد كان باربوزا من حيث لا يدري يعيد التوازن إلى رواية اختلت معالمها طويلاً في لحظة كان فيها التوثيق الحقيقي فعلاً نادراً وشجاعاً، فقد أضاء بالحقيقة على التاريخ البرتغالي وأنصف حاضره كما أنصف الماضي العربي حيث وثق حضور أهله وفضائلهم وإنسانيتهم، لقد أكد باربوزا أن شعوب منطقتنا رغم ما واجهوه من تحديات واحتلال حافظوا على إنسانيتهم، واحتضنوا الآخر، وأعلوا من شأن الكرامة والتعايش بين الشعوب والديانات".
وتابع بقوله: "كما وصف باربوزا مدى التقدم الذي أحرزه أبناء المنطقة في الكثير من المجالات، من علوم وثقافة وعمران ونظم تجارة وحضارة مجتمعات، وبين أيضاً وبكل وضوح أن قوى الاحتلال القادمة من وراء البحر كانت تمارس التدمير والتخريب والاستعلاء".
وعن أسباب إصدار كتاب "رحلة بالغة الأهمية"، قال القاسمي: "حين قررت إصدار هذا الكتاب وترجمته إلى العربية والإنجليزية والبرتغالية لم أكن أبحث عن إثبات تاريخي فقط، بل عن إنصاف حقيقي لأهلنا، وعن استعادة روايتهم كما رآها شاهد من أهل الحدث، إنني أؤمن أن المعرفة حيث تنبع من الحقيقة تصبح جسراً متيناً للحوار، وأساساً صلباً لبناء علاقات بين الشعوب، لهذا كنت حريصاً في كل سطر من سطور الكتاب على أن أستبقي لغة باربوزا كما كتبها بأمانته وتواضعه، وأن أنقل صوته من دون تلوين أو تحوير، لأنني وجدت فيه روح الباحث الصادق الذي شهد بما رأى، ووثق ما عاش، ووقف على مسافة منطقية من طموحات القوة التي كان يرافقها".
وأضاف: "هذا ما أردته من الكتاب؛ أن نمنح الأجيال المقبلة وثيقة معرفية متينة تستند إليه وهي تخوض حواراتها الحضارية في عالم تتغير فيه المفاهيم بين ليلة وضحاها، وتتنازع فيه الروايات بأدوات القوة وليس بأدوات العدل، واليوم ها أنا ذا أقف أمامكم أجلب معي مخطوطة باربوزا الأصلية وكتابي (رحلة بالغة الأهمية) وأهديكم إياهما لنضع أصل الرواية بين يدي أهلها".
وأعلن حاكم الشارقة خلال كلمته افتتاح مركز الدراسات العربية، قائلاً: "يسعدني أيضاً أن أعلن اليوم عن افتتاح مركز الدراسات العربية في جامعة كويمبراذ، ليسجل تاريخ تدريس اللغة العربية لأول مرة في هذا الصرح العريق، ويفتح نافذة التواصل مع الأدب والفن والإبداع في العالم العربي".
وأضاف: "هذا الافتتاح يأتي ثمرة رغبة صادقة بأن نمنح الثقافة العربية مساحة جيدة للتفاعل والانفتاح والحوار بوصفها ركناً أصيلاً له أثر عميق في البنيان الإنساني المشترك، وأن نمنح غير الناطقين بالعربية فرصة الغوص في القيمة العظيمة للثقافة العربية بكل ما تحمله من حضارة عريقة وآفاق مفتوحة على المستقبل".
واختتم القاسمي كلمته، قائلاً: "نحن اليوم ومن هنا نؤكد للعالم أن الثقافة قد لا تغير الجغرافيا لكنها تغير طريقة النظر إليها، وهي لا تمحو الحدود لكنها قادرة على تحويلها إلى جسور حية ومعابر ومساحات التقاء، والثقافة أيضاً لا تغير التاريخ لكنها تغير طريقة قراءتنا له".
بدوره، ألقى أميلكار فالكاوم، رئيس جامعة كويمبرا، كلمة قال فيها إن تطوير هذا المشروع بالتعاون مع هيئة الشارقة للكتاب "يعد مؤشراً واضحاً على القيمة المضافة التي تحققها الشراكات الدولية". وأضاف أن مشروع الرقمنة "وصل إلى مرحلة مهمة مع الإطلاق الرسمي لقسمه الأول؛ وهو "المجموعة الرقمية للشرق الأوسط"، وأُطلق عليها اسم "مجموعة سلطان بن محمد القاسمي"، وهي مصدر بحثي ثمين لمجالات علمية متنوعة، يُسهّل ويُنظّم الوصول إلى مواد تاريخية مرتبطة بالحضور البرتغالي في منطقة الخليج وشبه الجزيرة العربية".
وتابع بقوله: "من خلال نقل إحدى أجمل مكتبات العالم إلى الفضاء الرقمي، نحن نسهم في تعزيز التقاء التقاليد الفكرية والفنية المتنوعة، وفي الوقت نفسه، نضع البحث العلمي المتطور في خدمة إرث مشترك".
وشاهد الحضور مادةً فيلمية حول المكتبة الرقمية التي تأتي ضمن مبادرة ثقافية دولية أقيمت بالتعاون بين إمارة الشارقة وجامعة كويمبرا، بهدف رقمنة المخطوطات والكتب النادرة التي تحتضنها المكتبة، بما في ذلك 30 ألف كتاب ومخطوطة تُعد من أثمن المقتنيات، لتصبح متاحة للباحثين والمهتمين حول العالم عبر منصات رقمية متطورة.
وأسهمت عملية الرقمنة، في اكتشاف مخطوطات لم تكن الجامعة على علم بوجودها، مما ساعد في إضافة هذه المخطوطات إلى أرشيف المكتبة لإثراء المحتوى ومجموعة المخطوطات النادرة.
وقام الدكتور خوسيه بيدرو بإلقاء كلمة تُقدم كتاب "رحلة بالغة الأهمية"، واصفاً الكتاب بأنه "ذو قيمة علمية كبيرة ويحتوي على مجموعة مميزة ونادرة من المخطوطات التي جمعها القاسمي حباً للعلم والثقافة وحفظ التاريخ".