عكس خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني في الثالث والعشرين من أيلول الحالي أمام الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، ما يكنه كل إنسان اتسم بالإنسانية وعرف معناها.
لقد لخّص الأمر حين قال: الدولة حقٌّ غير قابل للتفاوض، جملة تختصر معاناة عقود، وتفتح الباب مجددًا أمام خيار واحد، إما عدالةٌ وسلامٌ حقيقيٌّ، أو استمرارٌ لفشلٍ عالميٍّ لا نهاية له.
حملت كلمات جلالته أسمى معاني الإنسانية حين وضع العالم أمام مرآةٍ قاسية، فما يحدث في غزة والضفة الغربية ليس مأساةً محليةً، بل امتحانٌ لضمير الإنسانية جمعاء، وأن الإدانة وحدها لم تعد تكفي، وما يحدث لم يعد أزمةً إقليميةً فحسب، بل إدانةً صريحةً لفشل الإنسانية.
وأنا أتابع خطاب جلالته، وما يحمله من صدق المشاعر ورسالة حملت رؤى ثاقبة ومواقف راسخة للعالم أجمع، عادت بي الذاكرة وأنا في السابعة عشرة من عمري حين طلب منا كطلاب أن نكتب موضوعًا إنشائيًا عن فلسطين. كتبت يومها باندفاعٍ وبراءةٍ وصدق القلب عن أرضٍ تنزف، عن شعبٍ حُرم من الحرية، وعن ظلمٍ يتكرر كل يوم. لم أكن أتصور أنني وبعد أكثر من ثلاثة عقود، وأنا في الخمسينيات من عمري، أجد نفسي أكتب عن المشهد نفسه، وعن شعبٍ يُحرم من أبسط حقوقه الإنسانية، فالمشهد لم يتغير كثيرًا.
أعادني خطاب جلالته إلى ذلك الموضوع المدرسي.
الفرق الوحيد أن الكلمات ازدادت ألمًا، وأن المعاناة طالت أكثر، فيما الإنسانية ما زالت غائبة. جاء في خطاب جلالة الملك ما نحمله من معاناة منذ سنوات، وبأن فلسطين ليست قضيةً عابرة، بل جرحٌ مستمرٌّ وامتحانٌ دائمٌ لضمير العالم.
قرع جلالة الملك جرس الإنذار في خطابه، وقال بوضوح: ما يحدث في غزة ليس مجرد نزاع سياسي، بل فشلٌ أخلاقيٌّ عالميٌّ، وعارٌ يُلاحق الضمير الإنساني.
جلالته وصف ما يعيشه الفلسطينيون بالدوامة القاسية المرة تلو الأخرى، حيث يُقتَلون ويُهَجَّرون، بينما تكتفي القوى الكبرى ببيانات الشجب، وكيف أن العدالة ما زالت غائبة، والقرارات الأممية حبيسة الأدراج.
لقد رسّخ الخطاب الثبات الأردني في الدفاع عن الحق الفلسطيني، والوصاية الهاشمية على القدس والمقدسات، وحق الدولة الفلسطينية وأمانة القدس.