تُمثل الواجبات المنزلية، بالنسبة للمرحلة الثانوية، استراتيجية عقابية وتعليمية في آن واحد، في سيكولوجية الطالب، بدلالة أن طالب التوجيهي لدينا عندما تلوح له بالواجب، يسارع فورًا للقول أن مرحلته التعليمية لا يطلب فيها منه واجبات منزلية، لعدة أسباب سنأتس على ذكرها.
كانت الواجبات المنزلية، ذات يومٍ في مخيال الطُلاب مُحملة بالشقاء والتعاسة، والإهانات المتكررة، سيما من المدرسين، أو الأهالي، في مراحل زمنية معينة، كما وكانت فكرة عدم الالتزام بالواجبات مرتبطة بالتعذيب البدني، كالضرب و غيره.
مع التقدم الحضاري الذي شهده المجتمع الأردني، باتت تلك الآلية أقل ظهورًا على المسرح العام، ورغم المعرفة حول وجود –تعذيب بدني، بدلالة سقوط طلبة في أحد المحافظات من سور المدرسة هربًا منها، وهذا السلوك لا ينتج إلا عندما يشعر الطالب أنه سجين مقيد، أو يتعرض لوجبات متفرقة من التعنيف البدني-وفق سيكولوجية الطالب، حيثُ أن التعليم بالوسائل الحديثة ومنها الألعاب بالتأكيد لا تدفع الطالب للشعور أنه سجينًا، حتى يتسلق أحد أسوار المدارس في أي مكان.
وأن هذا هو الجذر المسبب لكراهة الطالب الأردني للواجبات، وهذا يندرج على كافة منطقتنا العربية، والتي لا زالت تعاني من بدائية الوسائل التعليمية، مع الخوف من فكرة حمل الطالب الهاتف الخلوي، وغياب المتعة في التعلم، ففي حين يهرب الطالب من المدرسة والجامعة بصور وأشكال مختلفة، يدفع للتسلية في المراكز التي توفر بيئات جاذبة للتعلم، منها مثلا القاعات المكيفة، والتفكير العاصف-بلا الخوف من العقاب في حال الخطأ، سيما وأن الطالب ليس مهمته أن لا يخطئ، بقدر ما هو أن يسعى لاكتساب المهارات والمعارف بأي طريقة كانت، وضمن بيئة مو?تية غير طاردة.
في ذات الصدد، على المعلم الناجح أن لا يشغل نفسه بتقريع الطلاب على وقوعهم في الخطأ أثناء كتابة الواجبات، سيما طلبة المرحلة الأساسية والثانوية، والأخيرة الأكثر أهمية، فهي مرحلة دقيقة من حياة الشّاب، إذ هو ينتقل من طور الطفولة إلى الرجولة، وهو بحاجة أكثر لتثبيت القيم والمبادئ الإيجابية بالثناء والإطراء أكثر، وقديمًا قيل «إن كبر ابنك خاويه».
والمثل يعني معاملة الطالب في مرحلة الثانوية العامة، كرجل يتحمل المسؤولية وله احترامًا ومكانة، ويوجد له هدف سامٍ عليه تحقيقه، وتشجيعه لنيل المعرفة وتوظيف المعرفة في حياته.
ثم أن تصويب الخطأ مهمة المعلم، لا الطالب، فالطالب هو الشخص الذي يطلب العلم، والمعلم المفروض أنه يملك هذا العلم.
في تجربة كمدرس مثلا، قام المدرس، في الحصة الأولى له في وزارة التربية والتعليم، ببناء علاقة صداقة شخصية مع الطلاب، وكنت أتحدث معهم بلغة الزمالة والصداقة، صحيح كان هذا غريبًا، لأنه ينسف مبدأ «الخوف» و"الصراع المرير» بيّن الطالب والمعلم، والذي يشبه الصراع بين المراهق ووالديه في المنزل، فالأول يحاول لفت النظر لمواهبه وقدراته وكونه رجلاً، والآخرين يحاولون جر قدميه على أرضية طفولته، ما يجعله يعيش صراعًا بين رغبته في أن يكون رجلاً له رأيه ومواقفه المُقدرة، وبين من يريدونه خاضعا طفلا تابعًا.
ويا لهول المصيبة، إن كان المراهق يتعرض للتعنيف، وهذه العلاقة الصراعية، هي من العوامل المسببة للسلوكات العنيفة المكتسبة التي يمارسها الطالب خارج أسوار السجن المدرسي أو الجامعة-في حال كان قد وصل لها، بضغط من الوالدين وعلى غير رغبة منه.
قديما، وليست المدة طويلة، كانت جامعاتنا تعاني من العنف،و صحيح أن مجتمعنا لا يخلو من العنف، وهذا حال الطبيعة البشرية التي تتضمن بين ثناياها العدوان كأحد الغرائز، سعيًا للحصول على حاجات فسيولوجية أو نفسية أو اجتماعية حسبما يراها ماسلو في هرمه الشهير.
لكن اليوم وفي خضم التطور الحضري، تعاني منطقتنا العربية من وجبات عنف وصراعات دامية، سياسية واجتماعية في آن واحد، كما وأن المربي غير المُربى-الهاتف المحمول، يلعب دورًا في تغذية هذه البذور التي بناها المجتمع في نفوس أبنائه من العنف.
لا يكاد الطفل أو المراهق أن يعبر عن رؤيته لأمر معين، وأحيانًا يكون رؤية مصيريه بالنسبة له، حتى ينهال الأب والمعلم عليه بسوط من الإذلال والإهانات فيكره بالمحصلة على ما يجلب له الأذى، ومنها الواجبات المنزلية.
ماذا لو كانت الواجبات المنزلية مريحه أكثر، وممتعه، هدفها التعلم والعقاب غير البدني، مثلاً أن يعاقب المشاكس بجلب واجب معين حول موضوع مرتبط بمشاكسته، ثم يتم تقدير جهده في إحضار الواجب وتعظيم المنجز، مع الإشارة للأخطاء وتصغيرها حتى يتعلم الخطأ ولا يكره الواجب، فيصبح متحفزًا للواجبات كي يحصل على المديح، ويسعى لتحسين قدرته في حال الواجب لذات الغرض.
التعليم ليس مهنة مبتغاها راتب أخر الشهر، بل هي متعة تشكيل العقول الطرية، الوثابة نحو الجديد، سيما لدى طلبة الثانوية المراهقين-حسب التصنيفات العلمية.
ما من عمل في هذه الدنيا يصلح حاله، إذ كان أهله ينظرون له على أنه بطاقة صراف آلي آخر الشهر، وإن كان هذا الهدف الأساسي، لكننا كبشر لا نعيش من اجل الراتب آخر الشهر، بل لدينا حاجات نفسية واجتماعية يهمنا تحقيقها، وماذا لو كان هذا الهدف هو التأثير الايجابي بأبنائنا الطلبة من المرحلة الثانوية، والأخذ بيدهم نحو المستقبل الغامض بالنسبة لهم.
لله درك عندما يكون المعلم قد نال محبة أبنائه، أو الأب، فعلاما التعنيف والإذلال وعدم التقدير إذًا لأبنائنا، ألأجل مصلحتهم، وما تلك المصلحة؟، إن ما لا يدرك بالطيب والترغيب، لا يمكن أن يدرك بالترهيب والتخويف.