لقد بدأت سحب الظلام بالانقشاع تدريجيا عن القارة الأوروبية في بدايات القرن الرابع عشر،معلنة بداية ما اصطلح على تسميته بعصر النهضة،والذي شهد انقلاباً على تعاليم القرون الوسطى ووصايا الكنيسة،واهتماما كبيراً وانتشاراً للكتب والعلوم المستندة إلى عنصر الملاحة لا الغيبيات.وبدأت تنشأ في أوروبا كليات لتدريس الطب بطرائق منهجة،اذ كانت جامعة ساليرنو في ايطاليا اول جامعة تدرس الطب في أوروبا بطريقة علمية،ثم تبعها عدد من الجامعات في انجلترا وفرنسا،وغيرها من دول أوروبا.
كما أصبح الجراحون يحظون باحترام اكبر واعتراف بمهنيتهم على أنها مهنة مستقلة، وبعد أن كان يقوم بالعمليات الجراحية الحرفيون إعلاميون المهرة تحت إشراف وتوجيهات الأطباء،فقد تم إنشاء أكاديمية الجراحة الفرنسية عام 1731م،وتأسيس أول مجلة علمية،والتي نشر فيها هنري ليدران في عام 1757م نظريته التي تقول:"إن سرطان الثدي ذو منشأ موضعي،ويمكن شقاوه بالجراحة شريطة أن يتم استئصال الغدد الليمفاوية في منطقة الإبط اذا كانت متضخمة"
وقام أطباء هذا العصر بتحدي تعاليم غالين من خلال ازدهار علم التشريح ووظائف الأعضاء،فقد أصدر أندرياس فيزاليوس دي هوماني كتاب التشريح الأول باسم copres Fabrica،وكانت رسوماته مبنية على عمليات التشريح التي قام بها الجراح الشاب بادوا،مثبتاً أنه لا وجود لسوائل غالين الأربعة.وإن كان بادوا لم يصف كثيراً على فهم العالم لتشريح الثدي،الا أنه جلب انتباه علماء آخرين كثر إلى أهمية تشريح الجثث من أجل فهم أفضل لآلية عمل الجسم البشري،إلى أن جاء (سير أستلي كوبر)بعده بثلاثمائة عام ليسلط الضوء على الطبيعة التشريحية للثدي بما ف?ها الرباط الذي يمسك بهذا العضو،والذي سمي باسمه إلى يومنا هذا.
وتوالت بعد كوبر الاكتشافات التدريجية للسمات التشريحية و الفسيولوجية للثدي،ومع كل اكتشاف كانت تنشأ نظرية جديدة لتفسير أصل نشوء سرطان الثدي،فمنهم من عزا سبب نشوءه إلى تجلط السائل اللمفاوي،بينما أرجعه البعض إلى تجمع الحليب المتخثر،الذي يسبب تصبغاً في الأنسجة المجاورة،يليه تورم يتحول لاحقاً إلى سرطان.
كما لاحظ بعض الأطباء أن هذا السرطان يظهر بين بعض العائلات التي صدف أن أصيبت بعضٌ من نسائهم به،ورغم ملاحظاتهم الذكية هذه،إلا أنهم ضلوا طريقهم في تفسير هذه الظاهرة التي تتعلق واحتمالية مسؤولية العامل الوراثي عنها،بل ظنوا أن للعدوى دوراً مهماً في الإصابة بالمرض،إذ كانت الأخيرة هي السائدة في ذلك الوقت.
ورغم ايمان معظم أطباء تلك الفترة بأهمية التدخل الجراحي المبكر،الا أن إجراء عملية استئصال الثدي في ظل عدم اكتشاف مواد التخدير كان عملية أقرب إلى السادية وسط صيحات الألم التي كانت تتردد في غرف العمليات.فقد وصلتنا بعض الرسومات لفنانين من تلك الفترة يصورون سيدات مستشفيات على ظهورهم بصدورهن العارية،والألم يشعل محياهن،بينما أيديهن مقيدات خلف ظهورهن،وشريط من الدم يلوث وجوه وملابس الجراحين ومساعديهم.
لقد انحصرت التقنية الجراحية السائدة وقتها لاستئصال الورم بطريقتين:إما من خلال ربطه بخيط ثم رفعه إلى الأعلى ومن ثم استئصاله دفعة واحدة بتمرير المبضع من تحته،أو بإحداث شق جراحي فوقه تماماً ثم استئصاله باليد،ومن ثم كي اللحم النازف،وترك الجرح مفتوحاً للتقليل من احتمالية الإصابة بالعدوى،ومنع تجمع الصديد داخله؛لذلك كان مستهجناً أن تختار معظم النساء المعاناة بصمت مع ما فيها من آلام مبرحة على أن يخضعن لتلك العمليات الجراحية المؤلمة واللإنسانية.
وكانت كل هذه المحاولات الجراحية الجسورة التي سادت في ذلك الوقت توطئة للتقدم الكبير الذي حصل في القرن التاسع عشر،والذي يستحق أن نطلق عليه لقب «قرن الجراحة"فلا أظن أن أياً من القرون الذي شهد ميلاد اختراعين سيغيران وجه الجراحة مرة وإلى الأبد.
مدير عام مركز الحسين للسرطان