سبق أن كتبت مرتين حول مبادرات الاعتراف بالدولة الفلسطينية ، أحدهما بعنوان "لغز الدولة الفلسطينية" والثاني بعنوان " حل الدولتين الى أين"؟
وحتى الان بلغ عدد الدول التي اعترفت بالدولة الفلسطينية اكثر من 140 ، من مختلف القارات وتم الاعتراف بالتقسيط ، لكننا اليوم نلحظ حالة مختلفة حيث تعتزم عشر دول غربية ، الاعتراف بشكل جماعي على هامش الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة ، التي تُفتتح غد الثلاثاء 23 أيلول – سبتمبر الحالي، وتستمر حتى السبت المقبل 27 أيلول، وهذه الدول هي" فرنسا ،وبريطانيا ، أستراليا ، كندا ، بلجيكا ، لوكسمبورغ ، البرتغال ، مالطا ، أندورا، وسان مارينو"، اذا لم تتراجع بعض هذه الدول اذا تعرضت لضغوط أميركية.
وللتذكير فان دورة الجمعية العامة عادة تكون منبرا خطابيا ، لقادة الدول أو ممثليهم دون نتائج عملية، وهو مجرد كلام انشائي في الوقت الذي تتحكم لغة القوة ، في العلاقات بين الدول سواء كانت قوة عسكرية أو اقتصادية أو تكنولوجية ، وأسوأ نموذج على ذلك ما ترتكبه اسرائيل في قطاع غزة ، من محرقة حقيقية وحرب ابادة جماعية وتجويع وتطهير عرقي منذ ما يقارب عامين، فيما يسمى" المجتمع الدولي" يراقب ويتفرج دون أن يتحرك لوقف العدوان !
ولعل أكثر ما يثير الاستفزاز ويعكس منطق القوة الذي يتحكم بالعلاقات الدولية، تركيبة مجلس الأمن الدولي المكون من 15 عضوا ، لكن السلطة الحقيقية في المجلس هي بيد الدول الكبرى الخمس، التي تمتلك ما يسمى ب"حق الفيتو" وهو في الحقيقة ليس حقا ، بل ترجمة لموازين القوى وفقا للنتائج التي أفرزتها الحرب العالمية الثانية ، وكان آخر استخدام للفيتو من قبل الولايات المتحدة الأميركية ، خلال جلسة المجلس قبل ايام وأحبطت بموجبه مشروع قرار ، يدعو لوقف الحرب على قطاع غزة وادخال المساعدات الانسانية ، وبذلك ظهر جليا كم هو بائس "الفيتو" حيث تغلب على 14 صوتا اخر، بينهم 4 دول كبرى وعشرة يتم انتخابهم لمدة عامين ، فأي حق هذا الذي يصر على استمرار حرب الابادة في غزة ، ويشجع المعتدي على مواصلة عدوانه دون رادع !
وعودة الى حملة الاعتراف بالدولة الفلسطينية ، وهذه مبادرة دبلوماسية وسياسية تنطوي على مكسب معنوي للشعب الفلسطيني ، لكنها من جانب آخر تبدو ملتبسة وغامضة ، ويمكن للمراقب أن يلحظ أن الاعتراف شكلي!
ليس مهما الاعتراف بل أن يتم التأكيد على أن تكون الدولة الفلسطينية مستقلة بشكل حقيقي وذات سيادة كاملة ، وليس منزوعة السلاح والسيادة ، وأن تكون حدودها واضحة ، على خطوط الرابع من حزيران عام 1967، وتشمل الضفة الغربية وقطاع غزة وأن تكون عاصمتها القدس المحتلة، خاصة بعد اعترف الرئيس الاميركي ترامب ، بضم القدس كعاصمة لدولة الاحتلال، ونقل السفارة الاميركية اليها في ولايته الأولى !
ربما يحلم الرئيس الفرنسي ماكرون عندما قال في منشور على منصة اكس" أن الاعتراف بدولة فلسطين جزء من خطة سلام شاملة ، تضمن الأمن والسلام للاسرائيليين والفلسطينيين" ، وهنا لا بد من التأكيد أن الحل والربط بشأن قضية السلام ، هو بيد من يجلس بالبيت الأبيض الرئيس ترامب ، وهو منحاز بشكل كامل الى جانب الكيان الصهيوني ، وما ترتكبه قوات الاحتلال من مجازر، بحق الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية .
وكان أمرا طبيعيا أن تكون ردود الفعل الاسرائيلية ، سواء من طرف الائتلاف الحاكم أو المعارضة ، موحدة في معارضتها الشديدة لقرار فرنسا الاعتراف بدولة فلسطين ، معتبرة إياها "مكافأة للإرهاب" و"سقوطا أخلاقيا" ! وخطرا وجوديا بالنسبة للكيان الصهيوني ، ووصف رئيس الوزراء نتنياهو - الخطوة بأنها "تكافئ الإرهاب وتهدد بخلق وكيل إيراني جديد، كما حدث في غزة" !
ولا بد من ملاحظة مصادّقة الكنيست الإسرائيلي يوم 23 يوليو/تموز ، على مقترح يدعو الحكومة إلى فرض سيادتها على الضفة الغربية وغور الأردن ، وحاز المقترح على موافقة 71 من أعضاء الكنيست مقابل معارضة 13 عضوا فقط .
المطلوب خطوات عملية من الدول الاوروبية ، مثل التوقف عن توريد الاسلحة لاسرائيل وفرض عقوبات اقتصادية عليها ، كالتي فرضتها بعض الدول برفض استيراد منتوجات المستوطنات ..الخ !
جاء رد الفعل الاميركي منددا بشدة بموقف فرنسا ، حيث علق وزير الخارجية الاميركي روبيو على اعلان ماكرون ، عبر منصة إكس بقوله "هذا القرار المتهور لا يخدم سوى دعاية حماس، ويُعيق السلام، وصفعة على وجه ضحايا 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 " !