في مدينة العقبة، حيث البحر يلتقي بالجبال ورمال الصحراء، استطاع الفنان الشاب أنس القرالة أن ينقش اسمه ضمن الأصوات التي استطاعت أن تحقق حضورها بجهد شخصي وإيمان راسخ، ويثبت فنّه كناقل حقيقي لرسالة الفن الأردني.
فمنذ سنوات، عرفه العقباويون عبر هدير صوته الإذاعي في إذاعة «صوت العقبة»، وألِف الأردنيون حضوره في الأعمال الدرامية البدوية والاجتماعية.
واليوم، عاد القرالة ليؤكد أن الفن يمكن أن يتخذ أشكالا جديدة تتجاوز الشاشة التقليدية، من خلال إطلاقه برنامج «نخوة» في شهر رمضان الماضي، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بمبادرة حملت طابعا مجتمعيا وإنسانيا، باحثا عن وجهة أخرى وسط الضغوطات التي تحاصر الفن المحلي بشكل عام.
شارك القرالة في العديد من المسلسلات مثل «رعود المزن» و«أكباد مهاجرة» و"ذياب هباب الريح» و«بوابة القدس» و"الدمعة الحمراء» و«مالك بن الريب» و«تحقيق أمني» و«ذباح غليص» و«الخوابي» و«الحنين إلى الرمال» و«الدوار العاشر» و«ذهب أيلول».
وعلى المستوى الخارجي، شارك القرالة في المهرجان الدولي لمسرح الطفل بالمغرب، ومهرجان الشارقة للمسرح الصحراوي، ومهرجان جنوب سيناء المسرحي، ومهرجان تريبيكا السينمائي بنيويورك (فيلم «خط التماس"). وكانت انطلاقته السينمائية بفيلم «لما شفتك» (من إخراج آن ماري جاسر) الحاصل على سبع جوائز عالمية.
«نخوة»: مبادرة لإحياء قيم التكافل
البرنامج، الذي حمل عنوان «نخوة»، لم يكن إنتاجا ضخما ولا عملا تلفزيونيا مدعوما من أي جهة، بل كان جهدا ذاتيا من القرالة وفريق صغير آمن بالفكرة، هدفه الأساسي -كما يوضح القرالة- إحياء قيم التكافل والمروءة والشهامة في المجتمع الأردني، وتسليط الضوء على قصص إنسانية تُعلي من شأن مساعدة الآخرين بلا مقابل خلال شهر رمضان المبارك.
يقول القرالة في حديث لـ «$»: «أردت أن يكون (نخوة) أكثر من مجرد عرض قصصي، بل منصة رقمية حاضرة لإعادة التذكير بأن الشهامة ليست ماضيا بعيدا، بل هي واقع ما زال حاضرا في تفاصيل حياتنا. كان شهر رمضان فرصة مثالية لإطلاق هذا العمل، لأنه شهر يعكس روح العطاء والتراحم».
ورغم تواضع الإمكانات التقنية والإنتاجية، استطاع البرنامج أن يجد صدى واسعا على منصات التواصل، حيث تفاعل الجمهور معه من خلال التعليقات ومشاركة القصص، ما منح العمل حياة تتجاوز الشاشة الرقمية إلى المجتمع نفسه.
حضور متنوع وجوائز محفزة
«نخوة» لم يكن إلا محطة في سلسلة طويلة من محطات القرالة الفنية، فالممثل والمذيع والمسرحي، الذي يقيم في العقبة ويعدّ العضو الوحيد بنقابة الفنانين الأردنيين هناك، سبق أن شارك في أعمال درامية وسينمائية ومسرحية بارزة. كما حصل على ميدالية اليوبيل الفضي من جلالة الملك عبدالله الثاني، وجائزة الموهبة في خدمة المجتمع من صندوق الملك عبدالله الثاني عام 2022، إضافة إلى جائزة مؤسسة الحسين للسرطان للإعلاميين عن أفضل تقرير إذاعي 2021، إلى جانب جوائز عربية في التمثيل والتعليق الصوتي.
الفن الأردني.. بين الطموح والإمكانات
لكن خلف هذه النجاحات، لا يخفي القرالة حجم التحديات التي تواجه الفنان الأردني عامة، ومن يعيشون خارج العاصمة خاصة، وأبرز هذه التحديات، كما يشير، هو غياب نظام التفرغ الفني، الذي يتيح للفنانين التفرغ الكامل لمشاريعهم الإبداعية، وقلة الإمكانيات والموارد المادية؛ ما يؤثر على استمرارية عجلة الإنتاج الفني، ناهيك عن ارتفاع متطلبات المعيشة بصورة تجعل الفنان عاجزا عن الاعتماد على فنه.
ويؤكد القرالة أن المسافة بين العقبة والعاصمة لا تشكل عائقاً أمامه، ويقول: «كثيرا ما أضطر لاستغلال إجازاتي السنوية لإنجاز الأعمال، وإذا تطلب العمل التزاما أطول أجد نفسي مضطرا للاعتذار، هذه المعضلة تجعل من الصعب تطوير أعمال متواصلة ومؤثرة، لأن التفرغ في ظل الوضع الحالي قد يحول دون توفير أساسيات الحياة الفضلى لأسرتي».
ويضيف أن ضعف الإنتاج الدرامي المحلي وقلة الدعم المؤسسي يشكّلان عائقين أساسيين أمام تطوير الدراما الأردنية، رغم أن المواهب موجودة والطاقات الشابة قادرة على المنافسة إذا أُتيح لها الدعم والفرص، مطالباً الجهات الرسمية والقطاع الخاص بـ «خطوة عملية فاعلة تعيد الألق للدراما الأردنية باعتبار أن الدراما مرآة للمجتمع بكل تفاصيله».
ويتابع بقوله: «ما فاقم الأزمة استقطاب بعض المحطات مؤثرين من مواقع التواصل الاجتماعي بدلاً من الفنانين»، مؤكدا أن الحكومة مطالبة بدعم شركات الإنتاج الفنية، لأن «ميزانية التلفزيون الأردني ووزارة الثقافة ونقابة الفنانين محدودة، وينبغي زيادتها لأن الفن رسالة نبيلة ومهمة تساهم في تنمية المجتمع وحفظ قيمه وتراثه».
رؤية للمستقبل.. العقبة مركزاً ثقافياً
ورغم هذه التحديات، لم يتوقف القرالة عن التفكير بالمستقبل، فهو يطمح إلى تأسيس فرقة مسرحية متخصصة في العقبة، تقدم عروضا ثقافية وفنية لزوار المدينة وسكانها، إلى جانب حلمه بإنشاء مركز ثقافي شامل بدعم من جهات رسمية وخاصة، يكون منارة للفنانين الشباب ومنصة لصناعة محتوى أصيل ينافس إقليميا وعالميا.