أكد متخصصون ورجال دين في الندوة الثقافية التي نظمتها مديرية ثقافة الكرك في مركز الحسن الثقافي بعنوان: «التنوع الثقافي ودوره في تقوية الوحدة الوطنية»، أن التنوع الثقافي عامل إثراء للمجتمعات وعمقها التراثي والفكري والحضاري وإعلاء لقيم التسامح والعيش المشترك.
وأشار المتحدثون إلى دور التنوع الثقافي في تشكيل الهوية الثقافية في ظل قيم المواطنة، موضحين أهمية إبراز جماليات هذا التنوع في النسيج المجتمعي لتقوية مفهوم الانتماء وتعزيز روح الوطنية، لافتين إلى أن الأردن يشكل واحة فريدة للتنوع والتعايش ضمن رؤية حضارية ترتكز على مبادئ الحوار والتفاهم وسيادة القانون واحترام الإنسان وحقوقه والانفتاح على جميع الثقافات.
وأكّد د.حسين محادين في ورقته التي قدمها على أهمية التنوع الثقافي باعتباره مطلباً إنسانياً لحماية الوحدة الوطنية، خاصة في ظل التحديات الكبيرة التي يواجهها الوطن في المرحلة الراهنة على الصعيدين الإقليمي والعالمي.
وأشار إلى أن التنوع الثقافي يشكّل عامل إثراء للهوية الوطنية ومصدر قوة في تعزيز التماسك الاجتماعي، لما يتيحه من فرص للتلاقي والحوار البناء بين مختلف مكوّنات المجتمع بما ينعكس إيجاباً على وحدة الوطن واستقراره، إلى جانب أهمية التنوع في الحفاظ على التنوع البيولوجي وترسيخ حرية الإنسان والجماعات في الإبداع، ولكونه قوة محركة للتنمية المستدامة.
وتابع محادين: «يتميز الأردنيون بأنهم متعددو الأصول والمنابات تاريخيا، ويتوزعون على أربعة ثقافات فرعية، تمثل خصائص مميزة للمجتمع الحاضن لها (البادية والريف والمخيمات والحضر)، ويتفاعلون حياتيا كأفراد وعبر مؤسسات المجتمع المختلفة تحقيقا لمصالحهم المتبادلة، مشكلين نتيجة استقرار مجتمعهم عبر الأجيال، أعرافا وتقاليد خاصة بهم تعبر عن الهوية السيادية للدولة وضمن حدود وسيادة الدستور».
من جانبه، قال رئيس المحكمة الكنسية الاستئنافية للروم الكاثوليك، الأب بولص البقاعين، إن التنوع الثقافي هو «غنى اجتماعي ومعرفي يعزز الاحترام المتبادل والتفاهم بين الشعوب، ويقلل من التمييز أو الصراع الناتج عن الاختلافات»، مؤكدا أن التنوع «يمكن أن يكون مصدر قوة وفرصة لتعزيز وحدة الوطن إذا تم استثماره بشكل الأمثل».
وتحدث البقاعين عن قيمة التسامح بين الأديان، وما لها من دور أساسي في ترسيخ التنوع الثقافي، وتعزيز الروابط والعلاقات الاجتماعية بين الناس على أسس من التفاهم والتقارب، كما شدّد على الأخوّة والوحدة بين أبناء المجتمع وتحقيق التضامن الوطني.
بدوره، أشار مفتي محافظة الكرك د. وليد الذنيبات، إلى أهمية التنوع الثقافي ودوره في إغناء التراث الإنساني، باعتباره دلالة واضحة على الغنى الفكري للمجتمع. وبيّن أن هذا التنوع «قائم على أساس فطري وغريزي يتمثّل بالانتماء للوطن والدفاع عنه»، فالانتماء للوطن «نزعة فطرية أصيلة ومبدأ إنساني تعززه قواعد الشريعة الإسلامية، بما يسهم في تحقيق الأمن والاستقرار».
وأوضح أن التنوع الثقافي «عكس العولمة التي تسعى إلى فرض نموذج ثقافي واحد مهيمن يلغي النماذج الثقافية الأخرى ويهدد باندثار مقوماتها الحضارية»، مؤكدا أن الإسلام كدين وحضارة «عندما يدعو إلى التفاعل بين الحضارات، فإنه ينكر المركزية الحضارية التي تسعى إلى أن تجعل العالم حضارة واحدة مهيمنة ومتحكمة في الأنماط والتكتلات الحضارية الأخرى».
ورأى الذنيبات أن مواجهة التحديات والمتغيرات الحضارية الراهنة في سياق الحديث عن حق التنوع الثقافي «تفرض حشد جميع الجهود لترسيخ الثوابت والمسلمات التي نؤمن بها انطلاقا من قناعتنا العقدية والدينية، والإسهام بالمقابل في ترسيخ قيم التعدد والحوار والتعارف الحضاري الذي دعت إليه الآية القرآنية: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم)».
من جانبها، أكدت مديرة الندوة د. بيان الحباشنة أن التنوع الثقافي يشكّل ركيزة أساسية في بناء مجتمع متماسك يقوم على قيم الاحترام المتبادل والانفتاح، مشيرةً إلى أن المجتمع الأردني كان وما زال مثالًا للتعايش والتآخي بين مختلف مكوّناته، وهو ما يعزّز مناعة الوطن أمام التحديات ويقوي وحدته الوطنية.