قد يعتقد البعض أن التكنولوجيا الجديدة باتت تهدد استمرار دور المعلمين، وأن التعليم من المهن التي ستستبدل بالأدوات التكنولوجية، خاصة التي يوجهها الذكاء الإصطناعي، غير أن من يؤمن بهذه النتيجة لا يدرك أن وجود المعلمين في مواقف التعلم ضرورة أساسية مهما تعددت أدوات التكنولوجيا، وأن أدوارهم لا يمكن أن تستبدل، ولكن مع تنامي أستخدام أدوات التعلم الرقمي، والإنتشار الواسع للذكاء الإصطناعي في التعليم بمختلف مراحله، يترتب على الحكومات ومؤسسات التعليم تحدي تأهيل معلمين قادرين على إمتلاك الكفاءة الرقمية، وتوظيف المستجدات التكنولوجية في تعزيز تعلم نوعي، والأهم دورهم في الحفاظ على أنسنة عملية التعليم في هذا التزاحم التكنولوجي، وقد كان هذا التحدي المحور الأهم في مؤتمر القمة العالمي للمعلمين الذي أقامته منظمة اليونسكو في تشيلي الشهر الفائت.
لذلك تهتم مؤسسات التعليم اليوم بالكيفية التي يتم فيها دمج الذكاء الإصطناعي بصورة تحدث نقلة نوعية في التعليم، حيث يتطلب ذلك إعادة التفكير في أنماط وأشكال أساليب التدريس، وتصميم المناهج الدراسية، وحوكمة التعليم. بحيث تصبح التكنولوجيا الجديدة والذكاء الإصطناعي مساعداً وحليفاً للمعلم في بيئة التعلم، وتمكينه من زيادة كفاءة العملية التعليمية، وتجاوز بعض الإشكاليات التي تظهر في الصفوف الدراسية التقليدية، وفي هذا السياق ترى اليونسكو أنَّ السبيل للمضي قدماً لا يتمثل في الإختيار بين التكنولوجيا والمعلمين بل في ضمان عملهما معاً جنباً إلى جنب بما يحقق مصلحة الطلبة.
وفي هذا الصدد ترى اليونسكو أنَّه يمكن للأدوات التكنولوجية، وأدوات الذكاء الاصطناعي، مساعدة المعلمين على تصميم برامج تعليمية تراعي الاحتياجات الفردية لكل طالب، وتقليص حجم الأنشطة الورقية، وإتاحة الوصول إلى الموارد التعليمية خارج الصفوف الدراسية. لكن هذه الفرص تجلب معها أيضاً تحديات جسيمة، تتمثل في تمكين المعلمين من فهم أدوارهم الجديدة، وتعزيز قدراتهم في إدارة مواقف التعلم المعززة بالتكنولوجيا والذكاء الإصطناعي، والأهم بناء قدرتهم على إستدامة القيم الإنسانية والأخلاقية داخل الصفوف الدراسية، والمساهمة الفاعلة في المحافظة على المنظومات القيمية والثقافية داخل المجتمعات.
تدعو اليونسكو، في ظل التغييرات التي تطرأ على مجال التعليم بفعل الذكاء الاصطناعي، إلى " إيلاء المعلّمين مكانة محورية وسط هذا التغيير، فهم المحرك الأول في مستقبل التربية والتعليم، وهم من يجعلون من التعليم بيئة نابضة بالحياة، وهم من ينسجون روابط إنسانية لا يمكن لأي جهاز أن يحاكيها، وهم من يمكّنون المتعلمين من تنمية مهارات لا تستطيع أي آلة تعليمها، مثل التفكير النقدي، والتفكير الأخلاقي، والذكاء العاطفي، والشعور بالانتماء الاجتماعي".