الثقافة والتراث من الركائز الأساسية في بناء الهويات الوطنية للشعوب والمادة الصلبة التي تعزز تماسك بنيانها الاجتماعي، فهما بمثابة الذاكرة الجمعية التي تحفظ قيم الأمة ومسار تاريخها ومحصلة تجاربها عبر الزمن الذي عاشته وتعيشه.
فالتراث لا يقتصر في مفهومه على المعالم المادية مثل المباني والمخطوطات والتحف والنقوش، فهو يتعدّى ذلك ليغطي التراث غير المادي مثل العادات والتقاليد والفنون الشعبية واللغة والقيم، وهو في الدول العربية يشكل إرثاً وثروة حضارية غزيرة تتجاوز الجغرافيا المحلية لتصبح جزءاً من الموروث الإنساني على مستوى العالم كله.
الثقافة والتراث من منظور إنساني الوجه الحقيقي لأي أمة، فهما الذاكرة التي تحفظ وتعكس مسيرة الكيانات والدول، وبدونها تصبح الشعوب بلا هوية تستحق الذكر ويمرها قطار الزمن بلا محطات.
ومن هنا نجد أنّ الدول العربية تولي اهتماماً خاصاً بهذا الإرث المتميّز نظراً لما يشكله من منابع عزّة وفخر في حياة شعوبها، وركائز للتنمية والتقدم.
الثقافة والتراث ليسا مجرد قصص سردية يعبر عنها بصور بصرية أو ذهنية من الماضي، بل هما لغة المستقبل أيضاً، فهما عبق الأصالة، والقوة الناعمة التي تعزز مكانة الدول.
لذلك ينبغي مراعاة هذا الإرث الثقافي والتراثي من منطلق أن حمايته مسؤولية مشتركة بين المجتمع والدولة والإعلام، حتى يبقى لصيقاً في الفكر الجمعي للأجيال القادمة محلياً ودولياً.
وينبغي إبراز أهمية الثقافة والتراث باعتبارهما ركيزتين أساسيتين من المشروع الوطني للدولة، ليس لأنهما مرتبطان بمكانتها الدينية والتاريخية فقط، بل لأنهما يمثلان جزءاً مهماً في رؤى التحديث.
إن الثقافة والتراث لم يعودا مجرد ماضٍ محفوظ يجترّ وقت الراحة والخلوة، بل هما استثمار في المستقبل وسياحة واقتصاد وصورة عالمية مؤنسنة.
وللاتصال والإعلام دور مهم ومميز في هذا المضمار، لأنهما واستناداً إلى مبادئ نظريتي «تجسير الحواجز» و"الإشباعات والاحتياجات» كفيلتان بنقل هذه الثروة الثقافية إلى الناس، محلياً وعالمياً، باستخدام نماذج الاتصال الفعّالة والتقارير الاستقصائية، والأفلام الوثائقية، والحملات الرقمية الإعلامية، والمعارض والسيمينار.
إنّ الاتصال المتوازن والإعلام الرصين يساهمان بشكل ملفت في حماية الموروث الثقافي والتراثي من الاندثار عبر التوثيق الرقمي والتذكير وشدة التكرار، وفي الوقت نفسه يفتحان آفاقاً لممارسة الدبلوماسية الثقافية التي تجعل من التراث وسيلة للتقارب بين شعوب العالم.