تعرض لجنة السينما في مؤسسة عبد الحميد شومان، مساء اليوم الثلاثاء، الفيلم الجزائري الفرنسي «حمض نووي»، للمخرجة والممثلة مايوين، الفرنسية جزائرية الأصل، وذلك عند السادسة والنصف في قاعة السينما، ثم عند الثامنة في الهواء الطلق بمقر المؤسسة بجبل عمان.
ويعد » حمض نووي» (2020) واحدا من بين تلك الأفلام الآتية من نتاجات السينما الفرنسية الجديدة، التي تصور تباين وعناق الثقافات الإنسانية داخل مكونات المجتمع الفرنسي، والتي يجري تصويرها بإحساس إبداعي متين، يبرز فيه المزيج الفريد بين مفردات اللغة السينمائية، والتدفق في الأفكار الإنسانية البليغة المحلقة في كل زمان ومكان.
يتتبع الفيلم حكاية امرأة مطلقة تبحث عن أصول وتاريخ أسلافها، خلال لقاء يجمعها مع جدها الذي كان هاجر من الجزائر إلى فرنسا، وهو حالياً يقضي أيامه الأخيرة في أحد المشافي المخصصة للمسنين من مرضى الزهايمر. تتداعى ذكريات الجد عندما يجري احتفال أفراد الأسرة مع الجد بإشهار كتاب مصور وضعته حفيدته –تقوم بالدور المخرجة نفسها- يتناول مسيرة الجد منذ نشأته الأولى داخل وطنه الأصلي بالجزائر، ومن ثم انتقاله إلى فرنسا وزواجه وتكوين أسرة، وصولا الى اندماجه مع المجتمع هناك، وقيامه بنشاطات سياسية في الحياة الفرنسية دفاعا عن وطنه الأم في حقبة من القرن الفائت، وهو ما قاده إلى السجن والمعاناة.
خلال لقاء أفراد الأسرة مع الجد، يتبين حجم الانفصال الذي تعاني منه الحفيدة الشابة مع باقي أفراد أسرتها، كما في مشهد الشجار مع والدتها -تؤدي الدور الممثلة الفرنسية الشهيرة فاني اردان- مثلما يقوم شقيقها الشاب بمخالفة ضوابط المستشفى ويمضي ليلته إلى جوار جده، ويعمل على تغسيله ورعايته بنفسه، ويشترك في شجار مع العاملين في المستشفى، بعد أن لاحظ عدم مبالاتهم واهتمامهم بنظافة وراحة جده في المستشفى، ويحتدم خلاف آخر بين مكونات الأسرة عقب الإعلان عن وفاة الجد والانقسام الذي يدور بين الأبناء والأحفاد حول اختيار طريقة طقوس دفنه.
لحظات من الدفء والحميمية والتأمل، يصورها الفيلم لشخصيته المحورية وهي المرأة الحفيدة، التي انفصلت عن زوجها وبصحبتها ولداها، تنجح من خلالها المخرجة ببراعة درامية وسينمائية في إظهار ملامح من شخصيتها التي غالبا ما تتنقل بانفعالاتها من حالة إلى أخرى، عندما يجري طرح أسئلة ثلاثة أجيال من أسرتها تدور حول الانتماء والمصير والهوية الثقافية والتمسك بجذورها، والتي تحتم عليها لاحقا السفر إلى موطنها الأصلي في الجزائر الذي تراه للمرة الأولى، ولا تجد سوى أن تتلحف بالعلم الجزائري مع ابتسامة تحمل مغزى ودلالات لحظة الاندماج مع نبض الشارع الذي كان آنذاك يحتشد بصرخات شباب باحث عن مستقبل جديد.
نجحت المخرجة/ الممثلة مايوين، في منح الفيلم مناخات واقعية عبر سبر أغوار العيش الجزائري اليومي داخل أحياء شعبية على أطراف المدينة الفرنسية، وفيها أبرزت ألوانا من العادات والتقاليد في محطات من الفرح والحزن، وعندما ترى أن جدها عبر كفاحه في الحياة الفرنسية وفخره بأصوله الجزائرية ونضال شعبه في التحرر، هو الشخص الذي حافظ على أسرته متماسكة، فإنها بعد غيابه لا تجد مفرا من التمسك بأصولها، وهو ما يدفعها إلى الذهاب للسفارة الجزائرية وطلب جنسية وطنها، بغية عودتها إلى موطنها الأصيل، بعد أن واظبت على قراءة كتب ومقالات المفكرين عن الثورة الجزائرية، وما قدمه شعبها في وطنها الأصلي من تضحيات في سبيل الاستقلال عن فرنسا، مثلما عانى جدها إبان هجرته من ظلم واعتقال من أجل دفاعه عن قضية شعبه العادلة إبان حرب التحرير في خمسينيات وستينيات القرن الفائت، مثلما ظلت هي حريصة على اقتناء رواية «نجمة» للأديب الجزائري كاتب ياسين وهي واحدة من أدبيات الثورة الجزائرية، التي تصدت للاستعمار ومحاولات تشويهه للقضية الجزائرية وهويتها.
يقدم فيلم «حمض نووي»، بفضل براعة مخرجته التي جمعت بين الخبرة والشغف في صناعة الأفلام -لديها فيلم سابق حمل عنوان «بوليس"- مشاهد لافتة تدمج بين التسجيلية والروائية، مثلما كشف العمل عن أكثر من طاقة ابداعية جديدة سواء في تقنيات الفيلم السمعية البصرية المتعددة، أو من خلال حركات الكاميرا والموسيقى والمونتاج شديدة التأثير أو في طريقة السرد وأداء شخوصه على مستوى بليغ، خاصة في مشاهد المواجهة والنقاشات الساخنة التي جمعت بين الحفيدة ووالدتها، نأت فيها المخرجة عن أي خطابات حماسية أو رومانسية بقدر ما حاكت بمفردات جماليات السينما وبراءة وصدق وعذوبة وافتتان معان ودلالات الحنين إلى الوطن والانغماس بآلامه وآماله.