أدرك العلماء العرب والمسلمون الدور المحوري للتشخيص المبكر في زيادة فرص الشفاء، وكان العالم الأبرز في هذا المجال، الأندلسي أبا القاسم الزهراني الذي كان سابقاً لعصره، ففي ظل غياب المجهر وقبل ظهور علم الوراثة بشكله الذي نفهمه اليوم ؛كان الزهراني سبّاقا إلى تبني نظرية ضرورة حدوث ضربتين «طفرتين» لنشوء السرطان، واحدة قبل الولادة «موروثة» وأخرى بعدها «مكتسبة»، وبذلك يكون هذا العالم المسلم قد سبق العالم الأمريكي سنودن بقرزن في تبني هذه النظرية كأحد أسباب نشوء السرطان.
أبدع الزهراني في وصفه للسرطان، وتقسيمه إلى موضعي وعام، ووضع المبادئ الجراحية للسرطان الموضعي، كما كان لاختراعه في مجال الأدوات الجراحية المختلفة دور بارز في تطور علم الجراحة، فقد ساهم الزهراني في ابتكار اكثر من مائتي أداة جراحية من مختلف الأشكال والأحجام والاستعمالات، كما كان أول من اخترع الخيوط الجراحية ذاتية الامتصاص، وكان يستخلصها من أمعاء الحيوانات.
وذكر الزهراني في تعريف السرطان أنه شخَص «سرطاناً» أشبهه بسرطان البحر، وهو على ضربتين:مبتدئ في ذاته، أو ناشئ عقب أورام حادة، وهو اذا تكامل فلا علاج له، ولا برء منه بدواء البتة إلا بعمل اليد «أي بعملية جراحية أو بالكي», هذا إذا كان الورم يقع في عضو يمكن استئصاله بالقطع، وأضاف الزهراني بعبقرية فذة اذا ما تقدم السرطان فلا تقربه «جراحيا»، فما استطعت أن أبرئ منه أحداً، وهذا أحد مبادئ جراحة الأورام الثابتة حتى يومنا هذا، فاذا ما تعذر استئصال ورم ما بالكامل، إما لحجمها أو لالتصاقه ببعض أعضاء الجسم الحيوية، هنا يصبح التدخل الجراحي متعذراً وغير ذي معنى، وعندها يجب اللجوء إلى أنواع أخرى من العلاج.
لقد كان وصف الزهراوي لتطور السرطان دقيقاً بحيث قال «والسرطان يبتدئ مثل الباقلاء، ثم يتزايد مع الأيام حتى يعظم واشتد صلابته، ويصير له في الجسد أصل كبير مستدير متغير اللون، تضرب فيه عروق خضر وسود، وتكون فيه حرارة عند اللمس».
كما أشار الزهراني في توصياته إلى مبدأين آخرين من مبادئ علاج السرطان الراسخة، وذلك بعدم العبث بالسرطان المنتقل «المقبلات», فلا منطق في إزالة الورم، بينما مستعمراته تعشعش في باقي أعضاء الجسم، كما اوصى بكيّ حواف الورم «مسافة أمان» بعد إزالته.
كما أن هناك عالماً وطبيباً عربياً أندلسياً كانت له مساهمات كبيرة في علم السرطان، الا وهو «ابن زهر» المولود في إشبيلية في عام 1110م، والذي وإن كنا لا نعرفه كثيرا إلا أنه معروف جدا في أوساط المختصين الغربيين، وقد كتبت عنه وعن إسهاماته عشرات المقالات، وبقيت تأثيرات علومه وكتبه حتى نهايات القرن السابع عشر.
لقد قام ابن زهر في وصف العديد من أنواع السرطان، وخاصة سرطان الجهاز الهضمي وصفاً دقيقاً، اذ يقول في كتاب التيسير: «يعرض في المعدة نوع من الثآليل، رأيت منها عندما سجنني الشقي علي في سجنه رجلاً من قومه كان مسجوناً، كان لا يهضم طعامه، وكان يشكو من حمى غير لازمة لنظام، وكانت تشتد وقتاً وتخف وقتاً آخر، وكان يشكو اسهالا غير قوي، وأن رجيعه كان مشتت الاجزاء، فلما لمست نبضه وجدته منشارياً، غير أنه لم يكن عظيماً ولا سريعاً، ولم يكن متوتراً بأنه لم يكن به ورم من الأورام الحادة، وكان الرجل في هلاس(هزال) متواصل، فلما نظرت بطن المريض وجدت أسفل معدته فيه قدر تفاحة صلبة لم تكن تعلم الرجل، فلما شددت عليها أحس بالألم، وقال إنه كذا دأبه متى أصاب الموضوع عض، فآنسته وأنا أعلم أنه ميت، وعالجته بما يسكن أعراضه». ولا أظن ابن زهر إلا إنه يصف المعنى الدقيق لما أصبح يعرف اليوم بالرعاية التلطيفية، ورعاية المرضى في مرحلة الاحتضار.