في زمن تتسارع فيه عمليات الرعاية الصحية على حساب التعاطف، يبرز الاستماع الحقيقي كأداة قوية يمكن أن تُحدث فرقًا كبيرًا في حياة المرضى ومقدمي الرعاية على حد سواء.
وأظهرت دراسة حديثة، أعدّها الدكتور ليونارد بيري من كلية الأعمال بجامعة تكساس بالتعاون مع معهد تحسين الرعاية الصحية في بوسطن ومستشفى هنري فورد في ديترويت، أن الاستماع القائم على القيم، الذي يتميز بالحضور والفضول والرحمة، ليس مجرد لفتة لطيفة، بل وسيلة فعالة لتحسين جودة الرعاية وبناء الثقة بين المريض والطبيب، ونشر الرعاية الإنسانية داخل النظام الصحي.
تظهر قوة الاستماع من خلال قصة ممرضة في دار مسنين بنرويج، حيث سألت أحد المرضى: "ما الذي يجعل يومك جيدًا؟" فأجاب المريض: "أريد أن أرتدي قميصي الأزرق"، وشرح أن هذا القميص كان المفضل لدى زوجته التي توفيت قبل عامين، وأن ارتداؤه يمثل تكريمًا لذكراها.
إثر ذلك، طلب المريض كرسيًا متحركًا ليتمكن من مشاركة قصة زوجته مع الآخرين في الدار، وهي المرة الأولى التي يطلب فيها التفاعل مع زملائه من النزلاء. وقال بيري عن هذه الحادثة: "هذا ليس اكتشافًا طبيًا، بل إنجاز إنساني".
وحددت الدراسة ست استراتيجيات للاستماع الفعال داخل الرعاية الصحية. أولها الاستماع القريب، الذي يعني الحضور الجسدي الكامل والتركيز مع المريض، الأمر الذي يعزز شعوره بالثقة والانفتاح.
وثانيها الاستماع الفضولي، حيث يؤدي طرح أسئلة مفتوحة والانتباه إلى كلمات وإيماءات المريض إلى كشف تفاصيل مهمة لرسم خطة الرعاية.
كما أن الاستماع الذي يبني الثقة مهم جدًا، إذ يشعر المريض بالأمان عندما يُستمع إليه بدون حكم ويُعطى كامل الانتباه، ما يسهّل الحوار المفتوح والصادق.
وأوضحت الدراسة أن تصميم المكان نفسه يمكن أن يعزز الاستماع، مثل توفير غرف حوار أقل رسمية، ما يجعل المريض يشعر بالرعاية والانتباه.
كما أن الاستماع الذي يمكّن العاملين من اقتراح تحسينات عملية يؤدي إلى رفع كفاءة الرعاية وتقليل الإرهاق. وأخيرًا، الاستماع الذي يعزز المرونة عبر دعم العاملين الصحيين ومشاركة اللحظات والقصص بينهم، يقلل من الإرهاق ويقوي قدرتهم على تقديم الرعاية الجيدة.
يؤكد بيري وزملاؤه أن الاستماع العميق يعود بالنفع على جميع الأطراف، سواء بين الطبيب والمريض، أو بين الأطباء أنفسهم، أو بين القادة والعاملين، ويعتبر خطوة أساسية نحو ثقافة قائمة على القيم الإنسانية. وقال بيري: "التعاطف ليس رفاهية في الرعاية الصحية، بل ضرورة، والاستماع الحقيقي أحد أقوى تجلياتها".