لقد صاحب غروب شمس الحضارة الرومانية دخول أوروبا عصراً من الظلمة والجهل، سادت فيه الخرافة بقوة، بينما حورب العلم والعلماء، ومنع تشريح الجثث وحرقت الكتب، وخسرت البشرية عشرة قرون من تاريخها الطبي، أعادت عقارب الساعة فيه الى الوراء، وهدم جزء كبير من ميراث أبقراط وغالين وغيرهم من العلماء الإغريق، والمصريين والرومان، في المقابل كانت هناك حضارة أخرى ناشئة، تتقدم بثقة لتحمل مشعل العلم والمعرفة، هي الحضارة العربية الإسلامية التي هدمت عصارة تجارب الأمم السابقة.
وقامت بترجمة ما نجا من الكتب الموروثة، والزيادة عليها على أيدي أطباء قديرين، أمثال الرازي وابن سينا والزهراوي وغيرهم، الذين حافظوا على المبادئ الرئيسية للجراحة والكي، وأضافوا إليها أو عليها استخدام بعض المراهم الموضعية التي تؤدي إلى قتل الخلايا السرطانية تمهيدا لإزالتها، كما استفادوا في علم الأعشاب الطبية.
لقد شغلت الوقاية من السرطان حيزاً واسعا في الطب العربي والإسلامي، مستندة إلى الاعتقاد بأن اتباع نظام غذائي صحي هو أكثر الوسائل فعالية للوقاية من الأمراض.وهذا النهج الشامل مرجعيته تعاليم النبي العربي محمد صلى الله عليه وسلم، الذي نبّه إلى الأهمية في التوازن في الغذاء، اذ قال «ما ملأ ابن آدم وعاءً شراً من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا بد فاعلاً، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه «رواه الترمذي وحسنه، وتطالعنا هذه القاعدة النبوية في آيات القرآن الكريم، التي تؤكد على الاعتدال في تناول الطع?م والشراب، مثل قوله تعالى: «وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين» الاعراف ٣١.
فقد تطرق ابن سينا للعلاقة بين النظام الغذائي وتقدم السرطان، وأبرز أهمية تحسين النظام الغذائي، وتعزيز ذلك باستخدام الأدوية الفعالة لمنع تقدم المرض، مؤكداً على الدور الحاسم لأسلوب الحياة، بما في ذلك النظام الغذائي، في منع الإصابة بالأمراض مثل السرطان.
لقد كان فهم رواد الطب العربي والإسلامي، ومن بينهم الرازي، وابن سينا والزهراوي، لانواع السرطان المتعددة مبكراً، وشملت ملاحظاتهم تحديد أنواع عديدة من السرطانات، مثل: سرطان العين، وسرطان الأنف، وسرطان اللسان، وسرطان المعدة والكبد، وسرطان الجهاز البولي، والكلية والخصية، وسرطان الثدي، وكذلك سرطان الطحال، وأورام الأعصاب، فعلى سبيل المثال، تم ذكر سرطان الكلية بوضوح لأول مرة من قبل الزهراني الذي قام بالتمييز بينه وبين التهاب الكلية الحاد.
التشخيص المبكر لعلاج فعًال
أدرك العلماء العرب والمسلمون الدور المحوري للتشخيص المبكر في زيادة فرص الشفاء، فقد حدد كل من الرازي والزهراوي وابن سينا ايقاف نمو الخلايا السرطانيه كهدف رئيس للعلاج، وذهبوا إلى أن العلاج الموضعي بواسطة الجراحة هو الحل الامثل، إذا كان حجم الورم صغيراً ومتاحاً، وغير قريب من الأعضاء الرئيسة، وقد تبنى ابن سينا مذهباً جذرياً في العلاج الجراحي للسرطان، إذ أشار إلى أن «الاستئصال يجب أن يكون جذرياً، كما يجب إزالة جميع الأنسجة المصابة، مما يضمن استئصال الأوردة التي تسير باتجاه الورم لتغذيته؛حتى لا يترك شيء من هذه» ?كذلك أوصى باستخدام التطهير للمنطقة المعالجة إذا كان ذلك ضرورياً».
وفي كتابه «القانون»وصف ابن سينا اربع طرائق لعلاج السرطان:إما بالإيقاف الكلي، وهو ما نطلق عليه اليوم الاستئصال الكامل، لكنه استطرد بالقول إن هذا الهدف يصعب تحقيقه في معظم الحالات، او بمنع تقدمه وهو ما نطلق عليه العلاج بهدف السيطرة على الورم، او منع تقرحه وأخيراً علاج التقرح اذا حدث، وأعتقد أن هذا ما يعرف اليوم بالعلاج التلطيفي.
كما أكد ابن سينا على أهمية استخدام الأدوية المتوازنة، محذراً من العلاجات المفرطة التي قد تكون أكثر شراً من السرطان، وقد تزيد من شراسته، ودعا إلى استخدام المعادن النقية المختلطة بالزيوت لعلاج السرطان.وتوسعت إسهامات ابن سينا في هذا المجال إلى استكشاف العلاجات العشبية التي قام بدراسة العديد منها، وقام بوصفها لمرضاه