(المضمون: اليمين بحث بجهد عن طريقة للتملص من استئناف العملية السياسية، وكان على قناعة بأنه قد وجدها في الانفصال احادي الجانب عن قطاع غزة - المصدر).
منذ 7 أكتوبر تجذرت في اليمين الإسرائيلي الهواية المتوارعة المناوبة، القول لليسار «لقد قلنا لكم» فيما يتعلق بالفشل الأمني الذريع لخطة الانفصال عن القطاع، وتوقع ان يندموا على الخطأ بهذا الشأن. لقد انضم الى هذا «الحفل» عكيفا نوفيك في مقاله الذي نشره ("هآرتس»، 3/8) عندما انتقد تصرف الدول الغربية، الاعتراف بالدولة الفلسطينية، ومن يؤيدون هذه العملية السياسية، ومن يؤيدون هذه التصريحات في إسرائيل. حسب قوله فان «معسكر مؤيدو الانفصال... آخذ في التقلص كلما صدمنا الواقع». وقد حذر أيضا اتباع فكرة الدولة الفلسطينية من ا? لا يصابوا بالعمى لدى الفلسطينيين، التي ميزت حسب قوله معسكر السلام في فترة الانفصال.
لا شك ان كثيرين، وربما معظم من يعارضون الاحتلال ومن يؤيدون العملية السلمية، شاهدوا براحة اخلاء غوش قطيف بسبب الاشمئزاز من مشروع الاستيطان، لكن يجب تذكير نوفيك واليمين بما يظهر انهم يفضلون نسيانه وهو ان خطة الانفصال لم تكن خطة معسكر اليسار ومن يؤيدون حل الدولتين، بل هي مشروع الأساس لليمين، ليس اليمين الذي اسره كما يبدو بـ «السحر المضلل» لافكار اليسار، كما يعرضون ذلك في اليمين المسيحاني لسموتريتش، بل اليمين المطلق، الذي بحث بجهد عن طريقة للتملص من «خطر» استئناف العملية السلمية وكان على قناعة انه وجدها في فكر? الانسحاب احادي الجانب التكتيكي من قطاع غزة.
لمنس نسي ومن يتناسى الخلفية السببية السياسية لخطة الانفصال نحن نوصيه بالتدقيق مرة أخرى في المقابلة التي اجراها آري شبيط في ملحق «هآرتس» في 8/10/2004 مع المحامي دوف فايسغلاس، المستشار الموثوق والمقرب من اريئيل شارون. المقابلة توفر لنا القاء نظرة على الدافع السياسي والاستراتيجي لفكرة الانفصال.
هاكم مقاطع مختارة وذات صلة لانعاش ذاكرة كل من يصمم على ربط العملية السلمية بخطة الانفصال: «نحن توصلنا الى استنتاج مؤسف وهو انه لا يوجد من نتحدث معه، لا يوجد من نتفاوض معه. من هنا جاء الانفصال"؛ «الانفصال هو في الحقيقة شكلي. هو يوفر القدر المطلوب من الشكلية اللازمة كي لا تكون عملية سياسية مع الفلسطينيين"؛ «للمرة الأولى لديهم أراض متصلة تماما حيث يمكنهم الركض فيها بسياراتهم من مكان الى آخر"؛ «بعض المستوطنات لن يتم علاجها أبدا، وبعضها لن نتعامل معه الى ان يصبح الفلسطينيين فنلنديين»؛ «نحن حصلنا على شهادة لا يو?د من نتحدث معه»، التي تنص على: 1- لا يوجد من نتحدث معه. 2- طالما انه لا يوجد من نتحدث معه فان الوضع الجغرافي الحالي سيبقى قائما. 3- هذه الشهادة سيتم الغاءها عند حدوث كذا وكذا. وعندما تصبح فلسطين هي فنلندا. 4 – الى اللقاء حينئذ والسلام.
كان مطلوب وجبة دسمة من عدم النزاهة العامة، السذاجة أو الجهل، في تاريخ الماضي القريب لدولة إسرائيل من اجل مواصلة الربط بين خطة الانفصال والعملية السياسية التي تهدف الى حل الدولتين، في حين ان الهدف العلني لهذه الخطة هو رفض استئناف العملية في المستقبل القريب. للمفارقة، من دفع قدما وبحماسة وإخلاص بسياسة «زجاجة الفورمالين» التي وقفت في أساس خطة الانفصال، هو بنيامين نتنياهو. في الواقع يجب عدم ظلم شارون عن طريق المقارنة بينهما؛ بالنسبة لشارون، مثلما احسن وصف ذلك فايسغلاس، «المسلمة (كانت) ضمان حياة اليهود. وكل ما ?قي خاضع لذلك. نتنياهو خلافا له قام بالمقامرة بشكل هستيري وخطير بحياة اليهود عندما سمح بنمو حماس، من منظمة صغيرة الى قوة عسكرية ناجعة.
لكن نتنياهو عندما أراد تقوية حماس سعى الى تحقيق نفس الهدف الذي وقف امام ناظري شارون وفايسغلاس في الوقت الذي وضعا فيه فكرة الانفصال ودفعا بها قدما، ضمان لفترة غير محدودة استمرار الاحتلال وتفوق اليهود بين البحر والنهر. لا شك انه قد حان الوقت للصحوة من خطة الانفصال. ولكن هذه الصحوة تعني الاستيقاظ من الرؤية الخيالية التي ارادت ترويجها. الشعور بخيبة الامل من هذه الرؤية، التي بحسبها يمكن اجراء تجارب على الناس من خلال حبسهم في سجن خاص بهم، مقطوعين عن أجزاء وطنهم وشعبهم، ومرتبطين كليا بالسجانين المتنورين، والتوقع ?عد سنوات الذل والاستعباد ان لا يفقد السجناء وراء القضبان انسانيتهم، وأنهم لن يستبدلوا السيارات الفارهة بتندرات حماس. الشعور بخيبة الامل والاستيقاظ من خطة الانفصال يعني ان الفلسطينيين لن يصبحوا فنلنديين إلا في فنلندا، أي فقط في دولة فلسطينية مستقلة.
إسرائيل تحت حكومة 7 أكتوبر تبعد سنوات ضوئية عن هذه الصحوة. هي تواصل العيش في وهم انه في قطعة الأرض التي تعيش فيها قوميتان يمكن أن تقيم الى الابد دولة قومية واحدة، وتخيل محو القومية الأخرى وتعمل بالتدريج على تجسيد هذا الحلم. كل ذلك وهي تنطلق بسرعة بـ «السيارة الفارهة» خاصتها نحو هاوية فقدان الشرعية بشكل مطلق.
(هآرتس)