- الاكتشاف المبكر يصنع الفرق
- ضرورة اللجوء إلى طبيب نفسي خلال فترة المرض
- المجتمع يربط السرطان بالموت وهذا ظلم للمرضى
في زمن الألم تبقى بعض القصص شاهدة على معنى الصبر والإيمان، والعميد المتقاعد خضر آل خطاب واحد من هؤلاء الرجال الذين تجاوزوا حدود الاحتمال، بعد أن عاش 12 عامًا من المعاناة مع السرطان. فالمرض لم يكن ضيفًا عابرًا، بل مقيمًا شرسًا توزّع في جسده على 9 مواقع مختلفة، دون أن ينتزع منه روحه أو عزيمته.
وفي مقابلة خاصة مع "الرأي"، يؤكد آل خطاب في بداية حديثه، وبنبرة تجمع بين الألم والواقعية، أن مرض السرطان لم يأتِ دفعة واحدة، بل كان يكتشف موقعًا جديدًا كل ثلاثة أشهر.
ويضيف أن جميع المواقع التي ظهر فيها المرض تعود إلى النوع ذاته، وهو سرطان الكلى، فبعد استئصال الكلية لم ينتهِ شيء، بل بدأ كل شيء. واليوم يعاني من إصابات سرطانية في الرئتين، والذراعين، والفخذ، والغشاء البلوري، والغدد اللمفاوية، والغدة الدرقية، وأسفل البطن.
وأوضح أن بعض هذه الأورام ما يزال نشطًا، وبعضها الآخر تمت السيطرة عليه بالعلاج، لكنه لم يعد قادرًا على إجراء أي عمليات جراحية جديدة، لافتًا إلى أن جسده أصبح غير صالح للتدخل الجراحي، ولو اضطر لذلك ستكون النهاية قريبة، إذ إن العلاجات المختلفة تتعارض مع بعضها، والبدائل محدودة جدًا.
وحول مسار العلاج، يشير آل خطاب إلى أنه بدأ بالعمليات الجراحية، ثم انتقل إلى العلاج عبر الحبوب لمدة 3 سنوات، ثم العلاج الكيماوي لثلاث سنوات أخرى، ليعود لاحقًا إلى الحبوب. ويؤكد أن لكل مرحلة آثارها الجانبية، لكنها تبقى أفضل من تقدّم المرض، مستذكرًا فترة حرجة كان يتناول خلالها 30 نوعًا من الأدوية يوميًا، بمعدل حبة كل ساعة، حتى إن وقته كله كان مخصصًا للدواء فقط.
وفيما يخص الجانب النفسي، يبين أن ذلك كان التحدي الأصعب، فالصدمة الأولى عام 2014 كانت مرعبة، إذ لم يستطع النوم أو تقبّل الحياة، وكان وقتها مديرًا للجسر في الأمن العام ويعيش وحيدًا في الأغوار فيما عائلته في عمّان، مؤكدًا أن الوحدة قاتلة مع السرطان.
ويتابع آل خطاب بأن الطبيب النفسي أنقذه، وعلّمه أن الخوف يصنع أمراضًا إضافية، وأن التوازن النفسي مهم لإيقاف نمو الخلايا السرطانية، فبعد 10 أيام فقط من العلاج النفسي، بدأ يستعيد قدرته على النوم والتنفس والتفكير.
ويوجّه نصيحة قوية لكل مريض سرطان بضرورة مراجعة طبيب نفسي أو شخص يملك خبرة ميدانية، مؤكدًا أنه لا يمكن تقبّل النصح من شخص لم يمر بالتجربة ذاتها.
وانتقد العميد المتقاعد آل خطاب النظرة المجتمعية تجاه مرضى السرطان، موضحًا أن الناس يربطون المرض مباشرة بالموت، مع أن هناك أمراضًا أخطر وأقل علاجًا. ويؤكد أن كل من يُشخّص بالسرطان يمر أولًا بمرحلة الإنكار، ثم الصدمة، فالحزن، ثم يبدأ القتال إن استطاع.
وأشار إلى أن المصيبة الأكبر تكمن في أن الناس يتحولون إلى "أطباء" من خلال تجاربهم، فيقترحون أعشابًا أو وصفات شخصية، وهو ما يعتبره تدميرًا نفسيًا للمريض ويجب منعه تمامًا، لأن لكل حالة خصوصيتها ولا يجوز القياس عليها.
وعن البعد الروحي في معركته مع السرطان، قال: "الصحة الحقيقية أدركتها فقط بعد المرض، فكل نعمة صغيرة مرتبطة بعشرات النعم التي لا نقدّرها. فقدت كليتي، وكُسر ذراعي، وعجزت عن العمل، وعندها فهمت معنى الصحة".
ويرى أن كل علاج هدفه تقوية المناعة، وأن ارتفاع المعنويات يساعد الجسم على المقاومة، مبينًا أنه يبدأ يومه بذكر الله، ليس فقط في الخوف، بل في كل موقف، فالجميع بحاجة إلى شحنات روحية كالدعاء والقرآن والصحبة الصالحة.
ووجّه آل خطاب رسالة مهمة للأطباء الذين يتعاملون مع مرضى السرطان، قائلاً: "المريض يأتيك خائفًا، وأنت من تصنع الطمأنينة في عينيه وكلامه". وأكد أنه لا يقبل بانتقاد طبيبه المشرف على حالته، كما يثق بمركز الحسين للسرطان والأطباء هناك، لأنهم بنوا الثقة معه.
وختم آل خطاب برسالة إلى كل شخص تم تشخيصه بالسرطان، داعيًا إياه إلى عدم ربط المرض بالموت، بل بالتركيز على العلاج والأمل، وعلى "ثلاثية العلاج" التي يتبعها: الالتزام بتعليمات الأطباء، ثم التداوي بما ورد في ديننا، ثم العلاج المعنوي بالدعاء. ويؤكد أن المرض رحلة، لكنه ليس النهاية.