وكأن العرب تفاجأوا بتصريحات رئيس حكومة اسرائيل نتنياهو، التي عبر فيها عن رؤيته بشأن اقامة دولة "اسرائيل الكبرى"! معتبرًا إياها مهمة تاريخية وروحانية تنتقل من جيل إلى جيل، رغم أن هذه المقولة درسناها منذ عشرات السنين، التي تزعم "ان حدود اسرائيل من نهر النيل في مصر الى نهر الفرات في العراق"، استنادا الى مشروع توراتي يستحضر الموروث التلمودي لتبرير سياساته التوسعية، خاصة وأنه توعّد قبل أعوام بقيادة "إسرائيل" إلى ما سماه "قرنها المئوي"، وفاجأ الجمعية العامة للأمم المتحدة في 22 سبتمبر/أيلول 2023 بعرضه "خريطة إسرائيل الكبرى"!.
ومنذ اندلعت الحرب على غزة منذ 7 اكتوبر –تشرين الأول عام 2023، كان نتنياهو يردد في كل مناسبة رؤيته حول تغيير معالم "الشرق الأوسط الجديد"! لم يحدد كيف؟: لكن المؤكد أنه يعني بذلك احداث تغييرات جيوسياسية تستلزم التوسع الجغرافي.
المشروع يتبناه اليمين الإسرائيلي المتشدد المتحالف اليوم مع نتنياهو، وطرحه زعيم حزب "البيت اليهودي" سموتريتش عام 2016 وكان حينها عضوا في الكنيست، مشيرا في مقابلة تلفزيونية إلى أن "حدود إسرائيل يجب أن تمتدّ لتشمل دمشق، إضافة إلى أراضي 6 دول عربية هي سوريا ولبنان والأردن والعراق، وجزء من مصر ومن السعودية لتحقيق الحلم الصهيوني من النيل حتى الفرات"! وهي مقولة مؤسس الحركة الصهيونية ثيودور هرتزل، حين أعلن مشروعه التوسعي عام 1904، وهي المعتقدات التي حملها وأصّل لها قادة الحركة الصهيونية، منذ بدايتها قبل أكثر من 120 عاما!.
وطرح حزب "الليكود" مشروع "إسرائيل الكبرى"، منذ وصوله بزعامة مناحيم بيغن إلى السلطة في إسرائيل عام 1977، وحوّله إلى برنامج سياسي بني على أفكار ولدت قبل ذلك بكثير، وتبعتها التغييرات باستخدام الاسم التوراتي للضفة الغربية "يهودا والسامرا "والترويج للاستيطان اليهودي.
لعل من أبرز هذه المعتقدات ما كتبه ديفيد بن غوريون، أحد مؤسسي دولة الاحتلال عامي"1937 و1938" أن إقامة الدولة حتى لو كانت على جزء بسيط فقط من الأرض، هي التعزيز الأقصى لقوتنا في الوقت الحالي ودفعة قوية لمساعينا التاريخية، سنحطم الحدود التي تفرض علينا، ليس بالضرورة عن طريق الحرب"!.
كالعادة جاءت ردود الفعل العربية والاسلامية على تصريحات نتنياهو، وحملت في مضامينها أطنان من الحبر التي "لا تسمن ولا تغني من جوع"، وجميعها تضمنت عبارات الشجب والادانة، وكان أبرزها البيان الذي أصدره وزراء خارجية 31 دولة عربية واسلامية وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، ومجلس التعاون لدول الخليج العربية، الذي أدان بأشدّ العبارات التصريحات التي أدلى بها نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى"! ولم يغفل الموقعون عن التذكير بقرارات الأمم المتحدة والقانون الدولي..الخ، وهي قرارات تضرب بها دولة الاحتلال، عرض الحائط منذ نكبة فلسطين الأولى عام 1948.
فيما يكثر العرب من اصدار بيانات الاستنكار والشجب، تواصل قوات الاحتلال حرب الابادة والتجويع في قطاع غزة، في الوقت الذي تواصل فيه ماكينة الاستيطان توسعها في الضفة الغربية، وكان أحدث محطاتها تدشين وزير المالية الإسرائيلي سموتريتش مستوطنة "معاليه أدوميم"، وهو مشروع استيطاني مؤجل منذ فترة طويلة سيقسم الضفة الغربية، ويفصلها عن القدس الشرقية، في خطوة "ستدفن" فكرة إقامة دولة فلسطينية"!.
ولكن بمجرد اكتمال مشروع مستوطنة "إي1"، فإنه سيدمر إمكانية وجود طريق مباشر وسيُجبر الفلسطينيين المسافرين بين المدن، على الاستمرار في اتخاذ منعطف واسع يبتعد عدة كيلومترات عن طريقهم، مرورا بنقاط تفتيش متعددة، وهي عملية تضيف ساعات إلى الرحلة.
وكان أمرا متوقعا أن تندد الحكومة الفلسطينية وتصفها بغير القانونية، وقالوا إن تقسيم المنطقة سيدمر أي خطط سلام يدعمها المجتمع الدولي، ولا أدري عن أي سلام يتحدثون؟ والأكثر أثارة للسخرية الحديث عن "المجتمع الدولي"، ألم يدركوا بعد أن هذا المجتمع مجرد سراب وكذبة كبرى، وأن منطق القوة هو الذي يتحكم بالعالم!
لست أدعو الى تجييش الجيوش والهجوم على دولة الاحتلال، لكن ثمة أوراق سياسية ودبلوماسية واقتصادية كثيرة بيد العرب، لو استخدمها لغيرت المعادلة وأفشلت خطط اسرائيل بالتوسع!.