لا بد للمولود من اسم (٢)
مدير عام مركز الحسين للسرطان
استمر تأثير غالين في فهم الطب لقرون طويلة،وثبتت نظريته حول السرطان ولم يجرؤ أي من العلماء الذين جاؤوا بعده،على مجرد محاولة القفز عن نظريته أو التشكيك في صحتها،فغابت أي محاولة لإزالة الأورام جراحياً،وعد هذا الأمر ضربا من الجنون.
لكن هذا لم يمنع بعض جراحي القرون المتأخرة الذين وصفوا بالشجاعة حيناً،وبالتهور أحيانا أخرى من إجراء عمليات جراحية لأزالة بعض الأورام،خاصة تلك المتعلقة بالثدي.فها هو جراح القرن الثامن عشر الألماني «بورنو هيستر» يصف إجراء عملية استئصال ورم من ثدي امرأة في عيادته،لكن إجراء مثل هذه العمليات في وقت لم يكن التخدير أو المضادات الحيوية قد اكتشفت أو دخلت قاموس الطب،يعد نوعاً من القتل المتعمد،مما جعل غالبية المرضى يفضلون العلاج بالاعشاب على تحمل آلام هذه العمليات.
وتحدثنا كتب التاريخ عن تشكيلة واسعة ومختلفة من » الأدوية» التي استخدمت في علاج السرطان،مثل: الرصاص أو خلاصة الأرسين،ورئة الثعالب وأسنان الخنازير،وقشرة القندس،والمرجان المطحون،ومختلف النباتات الجافة وحتى المسهلات،اء لم يترك نبات أو حيوان أليف أو بري ولم تستخدم بعض أجزائه في علاج السرطان! وعندما تزول هذه المحاولات البائسة إلى الفشل المحتوم،كان الأطباء يهرعون إلى نظرية أبقراط وغالين عن السوائل محاولين تصفيتها من جسم المريض.
لقد قام ابقراط بوصف عدة حالات لسرطان الثدي،إحداهما لسيدة من قرية أبديرا التاريخية،اذ وصف الورم بأنه كان مصاحباً بنزيف دموي يخرج من حلمة الثدي،ولاحظ أهمية تصريف هذا الدم الفاسد إلى الخارج،وعدم تركه ليتجمع داخل الثدي المصاب.
كما قام ابقراط بوصف التطور الطبيعي لسرطان الثدي بصورة دقيقة،اذ لاحظ أن الورم يزداد صلابة مع الوقت،ثم يبدأ بالانتقال الموضعي إلى الأنسجة المحيطة بالثدي،ثم يهاجر بعيداً ليشمل كامل الجسد.وعندما تضعف شهية المريض للطعام،ويهزل جسده إلى أن يموت،وهذا فهم لطبيعة المرض لا يمكن وصفه إلا بالعبقري،في وقت لم تتوفر فيه أجهزة تصوير بالأشعة تنفذ إلى داخل الجسد،كما هي الحال في وقتنا الحاضر.
كما لاحظ أبقراط أن هناك علاقة طردية بين توقف الطمث ونشوء سرطان الثدي،كما لو كان يشير إلى الطبيعة الهرمونية لهذا المرض،وإن كنا نعلم اليوم أن هذه العلاقة السببية أكثر تعقيداً مما كان يعتقد أبو الطب.
لقد بقيت نظرية العصارة السوداء سائدة إلى أن جاء العالم البريطاني ماثيو بيلي في عام 1793،وأثبت أن هذه المادة غير موجودة في الأورام التي استخلاصها من جثث مرضى أصيبوا بالسرطان،وهو ما أنهى عقودا من الزمن ساد فيها الاعتقاد بصدق نظرية غالين
لكن الحضارتين الفرعونية والإغريقية لم تكونا الوحيدين اللتين تركتا أثرهما في تاريخ السرطان،فكتب التاريخ تحدثنا أنه في بابل القديمة 210-689ق.م كان يتم وضع المريض المصاب بالسرطان في مكان عام،وتتم دعوة المارة لإبداء الرأي في وضعه الصحي،واقتراح سبل علاجه،لكن هذا لم يمنع من وجود معالجين محترفين اتخذوا من الطب مهنة يعتاشون منها،فنجد في «مدونة حمورابي"المنقوشة على أعمدة بابل ما يشير بأن هولاء المعالجين كانوا يحصلون على أجر نظير عملهم،لكن المثير في الأمر أن أهل بابل قد مارسوا لأولا مرة في تاريخ الطب سياسة الثواب وا?عقاب!
فقد كانوا يقومون بمعاقبة المعالج الذي يتوفى مريضه نتيجة تدخله الجراحي ببتر اليد،ويعد هذا القانون أول قانون المساءلة الطبية في التاريخ،ويا له من قانون قاس،وإنني أحمد الله أنه لا يُعمل به في يومنا هذا!
أما في عصر ازدهار الإمبراطورية الرومانية،فقد تأثر الأطباء الرومان بتعاليم الطب اليوناني،فها هو الطبيب الروماني سيلس في عام 30 ميلادية،يلخص في كتابه
De Medicina مراحل تطور سرطان الثدي،ويلخصها في أربع مراحل: المرحلة المبكرة «Cacoethes» ثم «Carcinoma» دون تقرح الجلد،تليها مرحلة تقرح الجلد ثم المرحلة الرابعة المتقدمة وسماها المرحلة الزعترية؛لأن الورم يغادر تضاريس الثدي،ليتشعب في الأنسجة المحيطة به،وشبّهه بتشعب أغصان وأوراق نبتة الزعتر