احتفل في مركز الحسن الثقافي، مديرية ثقافة محافظة الكرك بحضور نخبة من الأدباء والمثقفين، بإشهار وتوقيع المجموعتين الشعريتين،"خلل في المشهد السابع " للشاعر الدكتور خلدون امنيعم، و "مدائن الشتاء" للشاعر الطبيب عامر خلف الجعافرة.
وقدم المتحدثان في الحفل الذي أداره الروائي تامر راضي في أجواء حافلة بالنقاش الثري والتفاعل، إضاءتهم النقدية الكاشفة للأبعاد الفنية والجمالية والمعرفية والبنائية والفكرية للمجموعتين، والتي مكنت الحضور من الولوج إلى النصوص، وكشف بعضا من غموضها وجماليتها.
وعرضت أستاذة الأدب الحديث في جامعة مؤتة الدكتورة ريم المرايات رؤيتها المضيئة لمجموعة "خلل في المشهد السابع" وهي المجموعة الشعرية الثالثة لـ"امنيعم بعد مجموعة "أرني أنظر إليك" ومجموعة "هسيس الرغبة: حوارية آدم وحواء بعد الخروج الأخير"، واضعة مفاتيح النص أمام القارئ بدلالتها اللغوية والإيحائية والرمزية.
وقالت المرايات: "نحتفل اليوم بإنجاز إبداعي أدبي، فلم يكن امنيعم فتى عاديا منذ عرفته, إذ شاءت الأقدار أن يتتلمذ على يدي ويدي آخرين، فكان شاعرا يملك لغة ثرائية، وعقلا منظما، وأناقة في الفكر والسلوك.
وأكدت اشتمال الديوان على عدد من عناصر التجديد، مستفيدا من تداخل الأجناس الأدبية، فقد أخذ من المسرح في عدد من القصائد، وهو قائم على التخيل، ويمثل رؤية خاصة بالشاعر وفيه شكل جديد تحتاج فيه اللغة إلى من يفتح مغاليقها وعوالمها الدلالية البعيدة.
وأشارت إلى أن خللا في الرؤية شكل لوحات جديدة تنطق بمعان مختلفة تثير الدهشة، وتراوحت بين السواد والبياض وهو الأمر الذي اعتبرته طبيعيا في عالم الإنسان، كما ان الديوان مليء بالانزياحات والتي تتيح له التأمل في الحياة وفهم معانيها في حين يتجلى التجديد في بعض القصائد.
وتابعت "المشهد السابع" إغريقي المحتوى تقفز إلى الذهن صورة البطل التراجيدي حيث لا شيء سوء نهايات خاسرة،إلى جانب أن النصوص تثير الإرباك وأحيانا الالتباس لتترك للقارئ تحديد ما يناسبه (حزنا أم خوفا أم فرحا)، فيما الحب لدى الشاعر استسلام إذ يعترف بالحاجة إلى المرأة واستعداده لتقديم تنازلات كبيرة من أجل حضورها في حياته.
وعرض الدكتور امنيعم ليس بوصفه شاعرا، بل ناقدا قرأته المضيئة لعوالم مجموعة "مدائن الشتاء" وهي الأولى للشاعر الجعافرة، وقال : "نحتفي اليوم بميلاد كتاب لا بميلاد شاعر، فالشاعر يولد مرة واحدة ولا يتشكل على مراحل، مشيرا إلى أن الجعافرة شاعرا نابتا في حقل طبي، لينتمي بذلك إلى عوالم الشعراء الأطباء.
وبين ان " مدائن الشتاء ، تحيل المدائن على خلاف المدن " الحواضر" ،إلى بعد تاريخي عميق وجمالي ، فأينما وردت في كتب معاجم اللغة أو الأدب، فإنها تؤكد على الطابع الفريد في تشكيل المدينة ، أما الشتاء فيقرأ من خلال أبعاده المادية الدالة على الخصب ، والروحية الدالة على التأمل ،والنفسية الدالة على الحزن .
وتابع باجتماع المفردتين في تركيب إضافي " مدائن الشتاء" ،يأخذ العنوان بعدة الرمزي ، ففي باطن العنوان وإحالته الرمزية تكثيف مشبع إلى الداخل الجواني للذات الإنسانية ، حيث يرتبط الشتاء بعوالم باطنية ونفسية ذات بعد تأملي شفاف .
وزاد أما إذا قرأنا العنوان في علاقته مع العنونات الداخلية للمجموعة ، فأننا نقف دلاليا على مونولوج طويل تشكله هذه المجموعة، بما يأخذ شكل السيرة الشعرية ، ولكنها سيرة الحزن لقيامها على جذر دلالي عميق هو الافتقاد ،وليس الحزن طارئا ،بل عنصر رئيسي يشكل جوهر المجموعة .
ولفت إلى أن جوهر الحزن النابت في رحم الاغتراب يتكشف عن علاقة معتّلة مع الآخر الأنثوي، فالأنثى بكامل خصوبتها وعنفوانها تتشكل في المجموعة بوصفها جنة عدن، وشاعرها آدم المطروح منها، فالشاعر يلح بالطلب والرجاء والتوسل لمحبوبته الأنثى لكنها لا تهب الشاعر إلا الصِّد، ليعيد الشاعر ترتيب حزنه ويؤثثه بفضاء يليق به، إذ يحّول مدائن الشتاء إلى معبد ومحراب للمدعو له.
وفنيا وأسلوبيا، يرى امنعيم مركزية الآنا في المجموعة مستدلا على ذلك ذهابها إلى سيرنة الحالة الشعرية، فيما هناك هيمنة للنزعة العاطفية وأبرزها الحزن، الفاعل الدلالي الذي يسر القصيدة ويربط قصائد المجموعة بخيط واضح، في حين حفلت المجموعة بالمفردات الطبيعية والصور الفنية المبتكرة والجديدة والنزوع نحو الرمزية.
وقال الروائي راضي الذي شكر مديرية ثقافة الكرك احتضانها لهذا الحفل سيرا على نهجها في التأسيس لتقاليد راسخة في العمل الثقافي والإبداعي، إنه إذا اختصرنا كل مفاهيم الشعر في كل اللغات والثقافات فلن أجد للشعر تعريفا أكثر دقة من كونه بلاغة الروح مكتوبة على جسد الشاعر، فيما لم يجد تعريفا للشاعر أكثر حيوية من كونه شخصا أعصابة فوق جلده.
وقرأ الشاعران نصوصا مختارة من مجموعتيهما تفاعل معها الجمهور الحاضر ما عكس مدى التأثير القوي والعميق للكلمة الشعرية على المتلقي وقدرتها على إثارة المشاعر والعواطف وتشكيل الوعي.