تتعرض السفارات المصرية إلى أعمال رمزية متزامنة تسعى لأن تقدم مصر وكأنها الدولة التي تسببت في الأحداث الجارية في قطاع غزة، وهو الأمر الذي يمكن أن يتم استيعابه في حالة لم تتخذ هذه الخطوات نسقًا متماثلًا ولم تتزامن بهذه الصورة خلال الأيام الأخيرة، فالتوقعات من مصر كبيرة وكثيرة، والمطالب العربية والدولية من مصر مبررة، ولكن أن تقدم مصر وكأنها المشكلة فهذه مسألة تتطلب وقفة وفهمًا مغايرًا ومختلفًا.
المفارقة الكبرى، ويمكن وصفها بالمهزلة مكتملة الأركان، تأتت مع مظاهرة نظمتها الحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني أمام السفارة المصرية في تل أبيب، للمطالبة بفتح معبر رفح، وهو المفتوح من الجهة المصرية باتجاه قطاع غزة، وهو ما يعرفه العالم، ورآه كثيرون، ومنهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.
المعبر مغلق من الجانب الإسرائيلي الذي تقدم تجاه معبر فيلادلفيا ليفصل القطاع كله عن معبر رفح، ودخول المساعدات مسألة غير آمنة، وتفضل إسرائيل أن تديرها من خلال معابر أخرى تمتلك السيطرة الكاملة عليها، وتسعى إلى خفض المساعدات إلى الحدود الدنيا لتستمر في الضغط على سكان غزة، ومواصلة أعمالها الإجرامية التي ترقى إلى ممارسة الإبادة الجماعية.
تظاهرت بعض الفعاليات الإسرائيلية في الأسبوع الماضي ضد المجاعة الجارية في قطاع غزة، ووجهت خطابها للحكومة الإسرائيلية، ولكن كان للحركة الإسلامية رأي آخر، فهي لا تدين إسرائيل، بل وظهر العلم الإسرائيلي في التظاهرة، وبغض النظر عن ملابسات ظهوره، فالأولى إذا سلمنا بحسن النوايا لدى المتظاهرين من الحركة الإسلامية أن يتخلصوا من العلم ويبعدوه عن مجال تواجدهم.
هذه الحركة تشكل تجسيدًا لانتهازية بعض الحركات التي تتمسح بالإسلام وتستخدمه في صعودها بين الفئات الشعبية لتحولها إلى أصوات انتخابية لا تلبث أن تتنكر لها بصورة فجة، ومن الوجوه التي قدمتها هذه الحركات منصور عباس عضو الكنيست الذي لم يتردد في وصف الأسرى الفلسطينيين الذين يشكلون أحد أوجه مأساة الشعب الفلسطيني بالمخربين، بل وتبنى قانون يهودية الدولة ليضمن له مكانًا في الائتلافات الحاكمة ويظهر مع نفتالي بينت ويائير لبيد بوصفه أحد أركان حكومتهم قبل فترة ليست بالبعيدة.
من الطبيعي في المفاصل التاريخية الصعبة والمعقدة أن يحدث نوع من اختلاط الأوراق، أما الوصول إلى هذه المرحلة من العماء وفقدان البوصلة فلا يمكن أن يصنف داخل أي تصريف أو تبرير يمكن أن يندرج في حسن النوايا، فالصحيح أن مصر دولة مؤثرة ولديها الكثير من الأوراق، ومطالبة مصر بأداء المزيد من الضغوطات واستثمار أوراقها يجب أن يتواصل من جميع من يرغبون في أن يصلوا إلى نهاية للمأساة الجارية، إلا أن تتحول مصر، وليس إسرائيل إلى المشكلة، وأن تصبح هي الهدف من تظاهرة احتجاجية تضم الحركة الإسلامية في الداخل، فهو أمر يدلل على استهداف مصر بوصفه جزءًا من أجندة خاصة وثابتة لبعض التيارات، بصورة منفصلة عن غزة ومأساتها الجارية، والتي تتطلب بطبيعة الحال، خطابًا مختلفًا، يمكنه أن يستثمر الفرصة أو حتى الكسر العشري من الفرصة لوقف المقتلة المتواصلة في قطاع غزة.
هل يوجد خلل في نظام الجي بي إس في تل أبيب دفع المتظاهرين المتحمسين إلى السفارة المصرية، أم أنهم رأوا التظاهر أمام المؤسسات الإسرائيلية المشتركة في الجريمة والمتورطة في جميع تفاصيلها بسبق إصرار وترصد أكثر تكلفة على مصالحهم السياسية المستقبلية، وما يتطلعون له من تسويات يجيرونها لمصلحتهم.
الشقيقة مصر قدمت وفعلت كل ما بوسعها لمساندة الاهل في قطاع غزة ، ولكن أن تتم تصفية الحسابات السياسية في ساحات تتطلب حسًا أخلاقيًا وإنسانيًا رفيعًا فذلك أمر غير مقبول ولا يمكن السكوت عنه أو تمريره بهذه البساطة والسلبية.