في مشهد ثقافي يعيد تشكيل الذاكرة ويوقظ الحنين إلى تفاصيل المكان، نظمت رابطة الكتّاب الأردنيين/ فرع الزرقاء بالتعاون مع إدارة مهرجان جرش للثقافة والفنون ندوة ثقافية حملت عنوان اجتمع فيها عدد من الباحثين والأدباء والمبدعين ليضيئوا على الزرقاء كمدينة وُلدت من رحم التاريخ ورافقت تحولات الحضارة وهوية المكان الأردني.
أدار الندوة الناقد محمد المشايخ الذي قدّم الزرقاء برؤية أدبية بانورامية واصفاً إياها بمدينة الجند والعسكر ومفترق الحجاج الشامي ومهد التنوع الثقافي والانفتاح الإنساني.. المدينة التي "أنجبت شعراء كباراً مثل حبيب الزيودي وسميح الشريف وسميح القاسم وآخرين كانوا صوتها في القصيدة والذاكرة».
أما الباحث د. عبد الله العساف فغاص في طبقات التاريخ ليقدّم قراءة علمية لمراحل نشأة الزرقاء منذ العصور الحجرية وحتى العصر الحديث، مشيراً إلى أن المدينة شكّلت ركيزة حيوية في البنية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للدولة الأردنية.
واستعرض العساف محطات بارزة في مسيرة الزرقاء، مثل دورها في نشوء الجيش العربي واحتضانها لحاميات رومانية ومحطات إسلامية للحجاج؛ ما جعلها نقطة التقاء لحضارات متعاقبة.
د. عبد العزيز محمود أضاء على البعد التراثي والبصري للمدينة، مستعرضاً عبر صور نادرة مراحل تشكّل الزرقاء جغرافياً ومعمارياً. كما أشار إلى كنوزها الأثرية مثل قصر شبيب وقلعة الأزرق وقصر الحلابات وقصير عمرة وخرب الرصيفة وخو والبتراوي وغيرها من المواقع التي تجعل من الزرقاء "متحفاً مفتوحاً على التاريخ».
من جانبه قدّم الشاعر رضوان الزواهرة شهادة شعرية ومعمارية عن تطور المدينة من بيوت الطين والقش إلى شكلها الحضري المعاصر، لافتاً إلى أن الزرقاء مدينةُ المهاجرين التي استقبلت الشيشان مطلع القرن العشرين وأسست مساجدهم وأسواقهم.
وعرض الزواهرة صوراً نادرة لأحياء الزرقاء القديمة مثل شارع السعادة وعمارة السبعين وشارع قاسم بولاد، مؤكداً على أهمية دور نقابة المهندسين في تنظيم المشهد العمراني وفق قانون البناء الوطني.
وفي لمسة وجدانية قدّم د.محمد عبدالكريم الزيود قراءة في التراث الشعبي الشفوي للزرقاء، مؤكداً أن التاريخ لا يُكتب فقط بالحبر، بل يُروى بالحنين؛ وأن الروايات الشفوية حفظت صورة المدينة منذ وصول الدروز والشيشان وحتى نكبة فلسطين وتحوّلاتها الاجتماعية والسياسية والثقافية.
وسلّط الزيود الضوء على نادي أسرة القلم الثقافي الذي تأسس عام 1974 ليغدو من أبرز معالم الحراك الثقافي المحلي، وتحدث عن المشهد الشعري الذي تنوّع بين العمودي والنبطي والحر ليعكس تعدد روافد المدينة وغناها الإبداعي.
مثّلت الندوة استعادة لروح الزرقاء كمدينة تعيش في الذاكرة وتتمدد في وجدان الأردنيين بكل ما فيها من تفاصيل وجمال وتاريخ.