لا بد للمولود من اسم (١)
يحدثنا الرواة أن الناس في سالف الزمان كانوا يؤخرون تسمية مواليدهم إلى أن يتأكدوا فيما إذا كانت ستكتب لهم الحياة،في وقت كانت نسبة الوفاة فيه بين المواليد عالية جداً،وحتى زمن ليس ببعيد،كان الناس يتأخرون في تسجيل المواليد وخاصة في القرى،وكانوا لا ينتظرون ولادة عدد كبير منهم،ليرسلوا أحدهم إلى المدينة،وغالبا ما يكون مختار القرية التي يقوم بتسجيل جميع المواليد مرة واحدة،لذلك نجد أعداداً من الاقران يتشاركون في تاريخ الميلاد،وربما تختلط الاسماء على المختار فيقوم بإعادة توزيعها على المواليد كيفما اتفق،لذلك لم يكن غ?يباً أن يحمل الشخص اسمين مختلفين،احدهما ذاك الذي منحته إياه العائلة،والآخر الذي وثقه المختار في السجلات الرسمية.
ويبدو أن هذا ما حدث مع السرطان،فقد بقي بلا اسم إلى أن جاء ابقراط في القرن الرابع ق.م ليطلق عليه اسما احتفظ به إلى يومنا هذا «cancer» وهو مشتق من الكلمة الإغريقية «karakinos» وتعني سرطان البحر.
أما لماذا اختار ابقراط هذا الاسم دون غيره،فهو موضوع خلاف بين المؤرخين،فمنهم من ارجع ذلك إلى الشبه الظاهر بين بعض أنواع السرطان التي تكون محاطة بالأوعية الدموية من كل جانب،والتي تحمل إليها الغذاء وتمنحها اسباب العيش،وبين سرطان البحر بأذرعه المحروسة في رمال الشاطئ،وذهب البعض إلى فرضية محاكاة الصلابة الظاهرة لا أورام الملموسة صلابة جسم سرطان البحر،وفسر آخرون التسمية بالشبه بين حركة الورم وانتقاله في الجسم بحركة سرطان البحر أو حتى التصاقه الشديد بالعضو المصاب تماما كما يفعل سرطان البحر،وهذا ما يفسر استخدام سرط?ن البحر ومشتقاته في علاج السرطان الذي كان شائعا في ذلك الوقت،أما من خلال وضع سرطان حي على الورم مباشرة او عن طريق صنع مراهم ومساحيق من بقايا السرطانات المسحوقة،أو بكي الورم باستخدام قشرة سرطان البحر.
مصطلح آخر متعلق بالسرطان قدم إلينا من الإغريق وهو"Onkos» ويعني كتلة أو عبثا،ومنها اشتق الاسم الحديث لعلم الأورام (oncology).
لكن في ظل عدم اكتشاف المجهر في تلك الحقبة،لم يخطر ببالك الإغريق أن هذه الأورام تبدأ من الخلية التي لم تكن قد اكتشفت بعد،لذلك هرعوا إلى العلم الذي برعوا فيه وهو «ميكانيكا الموائع» لتفسير تشكل الاورام،فقد اقترح ابقراط أن جسم الإنسان يتكون من أربعة أنواع من السوائل هي:الدم وعصارة الكبد الصفراء،وعصارة الكبد السوداء والبلغم،اذ توجد هذه السوائل في حالة توازن دائم،وأي خلل في هذا التوازن ينتج عنه مرض ما.
وبعد ابقراط جاء عالم اغريقي اخر لا يقل عنه أهمية،وهو الطبيب الشهير غالين"Galen"الذي حاول تفسير تشكيل الأورام باستخدام نظرية السوائل،اء خلص إلى أن الأورام تنتج عن تجمع سائل العصارة السوداء عندما يعجز الجسم عن تصريفها فتتشكل بهيئة ورم.ولا يخلو ربط مرض السرطان باللون الاسود من استعارة مقصودة لخصت النظرة التشاؤمية لمآلات هذا المرض.
لقد اجمع كل من ابقراط وغالين على استحالة الشفاء من السرطان،اذ ذهب غالين إلى أنه بالإمكان استئصال الورم جراحيا،لكن بما أن المادة السوداء موجودة في كل مكان،فلن تلبث أن تتجمع مرة أخرى لتكون أوراماً اخرى،وهو ما يشبه إلى حد ما فهمنا المعاصر لانتقال الأورام من مكانها الأولي إلى اعضاء اخرى،وإن كانت الآلية التي نعتقدها حاليا مختلفة جذريا عن نظرية السوائل.
وانطلاقاً من فهمه لمرض السرطان مرضا يتجاوز الإصابة الموضعية،فقد اقترح غالين استخدام بعض الأعشاب والمواد العضوية لعلاجه،لذلك يعد أول من أسس لعلاج السرطان بطريقة شمولية خارج إطار التعامل الموضعي معه.
استمر تأثير غالين في فهم الطب لقرون طويلة،وثبتت نظريته حول السرطان ولم يجرؤ أي من العلماء الذين جاؤوا بعده،على مجرد محاولة القفز عن نظريته أو التشكيك في صحتها،فغابت اي محاولة لإزالة الأورام جراحياً،وعد هذا الأمر ضربا من الجنون
مدير عام مركز الحسين للسرطان