في ساحات الكرامة العربية، لا تُقاس المواقف بالتصريحات الصاخبة ولا بالشعارات المعلّبة، بل تُقاس بمن يزرع أثره في زمن الغبار، ويصنع فارقًا دون أن يطلب التصفيق.
وهكذا كان الأردن، وسط ركام الألم في غزة، لم تكن عمان بعيدة، لا في الموقع ولا في الموقف. فمنذ اللحظة الأولى، والأردن يقدم فعلاً مركّبًا من الضمير، والإرادة، والبُعد الإنساني، والسياسي، والديني.
مساعدات طبية متواصلة عبر جسر جوي لم يهدأ، طواقم طبية تتناوب في الميدان بلا كلل، مستشفيات ميدانية تصمد أمام القصف كما يصمد أهل غزة، قوافل من الإغاثة تنطلق من كل بيت أردني قبل أن تنطلق من مراكز الدولة.
كل هذا، ووراءه موقف سياسي واضح، تبناه جلالة الملك عبد الله الثاني، ليس من موقع المتعاطف، بل من موقع الشريك في المصير، والمدافع الثابت في كل محفل دولي عن فلسطين، والقدس، وغزة.
ولعل أصدق ما قيل في هذا السياق، ما جاء في كلمة جلالة الملك أمام الأمم المتحدة:
"إن كل طفل يُقتل في غزة هو فشل للمجتمع الدولي... وإن تجاهل المأساة الفلسطينية لن يُفضي إلا لمزيد من العنف. فلسطين ليست قضية حدود، بل قضية حق وعدالة وكرامة."
ومع ذلك، لا تفتأ بعض الأصوات المرتجفة – من الحاقدين أو الجاهلين أو العاجزين عن الفعل – تُقلل من شأن هذا الجهد، فيغيب عنهم أن إنكار المعروف لا يُطفئ نوره، بل يفضح عتمة النوايا.
إن الجهد الأردني لا ينتظر الإطراء، لكنه أيضًا لا يُمكن اغفاله إلا من حُرِم الإنصاف، أو أُصيب بالعمى القيمي، أو بقي على هامش العمل الشريف الذي تصنعه الدول لا الشعارات.
الدبلوماسية الأردنية، رغم رصانتها، لم تكن محايدة في قضايا الحق، بل كانت جريئة، متزنة، وفاعلة، وهي لم تكتفِ بالتعبير، بل ترجمت موقفها إلى شراكات إنسانية، واتصالات دولية ضاغطة، ومواقف أممية منحازة للعدالة.
أما الشعب الأردني، فكان ولا يزال على العهد؛ إذ لم تمر ساعة من العدوان إلا وكان الأردنيون في الميدان الرقمي، يغرّدون، يوعّون، يجمعون التبرعات، ويقيمون الوقفات. فقد تحوّلت المنصات الرقمية إلى ساحات وطنية، لمناصرة غزة وكشف جرائم الاحتلال. وهذه الحملة الشعبية العابرة للمحافظات، والممتدة من الشمال إلى الجنوب، لا تقل أهمية عن العمل الرسمي، بل تُكمله، وتعمّق أثره.
لست أفهم كيف يجرؤ البعض – صغارًا أو كبارًا – على التشكيك في دور الأردن، وكأن جلالة الملك عبد الله الثاني لم يكن الصوت الأوضح في المحافل الدولية نصرةً لغزة، أو كأن الطائرات الأردنية لم تكن أول من اخترق الحصار لإنقاذ الأرواح، أو كأن الجندي الأردني لم يُسعف جريحًا في ميدان المجهول. هذا الجهد لا يمكن أن يُغفل، إلا من كان حاقدًا أو جاهلًا أو غير قادر على أن يكون في طليعة العمل الشريف."
وغزة تعرف من معها، تمامًا كما تعرف من يتاجر بها.