استحوذ الفيلم الروائي الأردني الطويل «سمسم» الذي حققته المخرجة الشابة سندس السميرات، على إعجاب النقاد والحضور في مهرجان عمان السينمائي الدولي، وهو العمل الذي أُنجز بميزانية محدودة قدمتها الهيئة الملكية الأردنية للأفلام لفريق العمل.
يعد «سمسم» من أبرز نتاجات السينما العربية الجديدة، وهو أيضا من الشواهد على قدرة صناعه مجتمعين في تقديم إنجاز إبداعي متين ضمن إمكانيات بسيطة، في ظل عوائق التمويل ومحدودية الفرص أمام المخرجين الشباب الجدد في اشتغالاتهم السينمائية الأولى.
اختارت المخرجة أن تصور أحداث الفيلم بمدينة إربد ونواحيها، حيث البيئة الاجتماعية هناك تفيض بالحيوية تبعا لتعدد الشخصيات وتباين الرؤى والأفكار حول العلاقات الإنسانية داخل تفاصيل العيش اليومي، فبدا الفيلم وكأنه اشتغال نادر يحمل طابع التحدي الشخصي ضمن القواعد التي تحكم الإنتاج السينمائي المحلي، حين سعت السميرات مع طاقم العمل على كسر متطلبات واشتراطات منح صناديق الدعم الموزعة في أرجاء المنطقة والعالم.
ركّز الفيلم على أسرة اردنية مكونة من زوج وزوجة وابنتهما، تسعى الزوجة إلى الانفصال عن زوجها الذي يضيّق عليها انطلاقتها في الحياة والعمل ويرفض تطليقها إلا بعد أن يتزوج من امرأة أخرى، وهنا تأخذ الزوجة على عاتقها أن تبحث له عن عروس لتتمكن من تحقيق رغبتها في الطلاق والمضي في تحقيق حلمها بالانعتاق والتحرر بالسفر والعمل والاختيار بعيدا عن قيود الأسرة والمجتمع.
تمزج المخرجة التي نالت شهادة البكالوريوس في صناعة الأفلام من جامعة اليرموك، باقتدار بين وقائع من داخل الأسرة، ومكان عمل الزوجة ومدرسة ابنتها، وعملها في أحد استوديوهات التصوير الفوتوغرافي، وحراك زوجها اليومي واهتماماته العادية التلقائية وانغماسه في حياة الهامش كما تفصح عنه ملامح طيبته وبساطة عمله، كأن الفيلم بصدد تقديم صورة لبيئة اجتماعية تعتمد على التنقل بين موضوع وآخر، في سرد سمعي بصري فتّان، يحضر فيه نسيج الحوار الذي يدور داخل مفردات لغة شعبية دارجة يجري تداولها بين شخوص الفيلم على نحو عفوي، إلّا أنه أمي? لسيناريو دقيق، شارك في كتابته إلى جوار المخرجة، تمارا عويس ورزان الزعبي، وتحقق ضمن فريق ورشة متخصصة، وكانت النتيجة سردا حافلا بخلفيات للقطات أمكنة وحراك لشخصيات مفعمة بالعواطف والآمال والآلام، وفي الوقت نفسه مزنّرا بجرعات مخيلة صنّاع الفيلم الرحبة.
آثرت السميرات إنجاز هذا الفيلم الروائي الطويل بأسلوبية الفيلم الفقير لكن الثري بلقياته الدرامية والجمالية المبتكرة، ورغم ما يبدو من سوداوية وقتامة في بعض أحداثه، إلا أنه خرج بصورة مبهرة يشع بالتفاؤل ويدفع بالتأمل في أحوال شخوصه ورغباتهم في التحرر من قيود الواقع، وحرصت فيه المخرجة على توثيق جوانب من الحراك اليومي لبيئة اجتماعية متنوعة، مثلما كشفت عن ذائقة مفعمة بالشغف والحماسة في تصوير مساحات ظلت محفورة في دواخل امرأة قدمتها عين الكاميرا بلحظات من التعاطف البليغ بانت فيها جرعات من الجمال والصمت والابتسامات?الهادئة والحضور الطاغي لمفردة الحرية، في تقديم إيحاءات ودلالات ورموز متناسقة شديدة التكامل والجمال والتعبير عن القضايا والأسئلة الصعبة التي يطرحها موضوع الفيلم. ومن ذلك ما ينتاب بطلته من كوابيس لدى تحديقها مليا في مياه الخزان المثبت فوق السطح، أو في مسألة اختيار عمل الزوج ببيع الطيور والدواجن.
على نسق تلك الاشتغالات الفيلمية القليلة التي استطاعت أن تثبت مكانة وفرادة للسينما الأردنية الجديدة، حضرت في فيلم «سمسم» تلك الاختيارات الذكية المدهشة في إظهار القدرات الأدائية لشخوصه بليغة التأثير والصعبة، لمس فيها المتلقي ذلك النوع من مواقف الدعابة السوداء والمفارقات، وهو ما يجري تجسيده بهدوء خافت من التعبير الداخلي الذي يخفي مشاعر جياشة من التوتر والصخب والعنفوان، بعيدا عن المبالغة والتصنع والتشنج.
ظهر ذلك في الفيلم من خلال الأداء الجيد للممثل مجد عيد في حدود الشخصية المرسومة للزوج، وكان أكثر ما يلفت الإعجاب أيضا، تلك الطاقة التعبيرية المليئة بالحيوية في الدور الذي لعبته الممثلة سجى الكيلاني التي قامت بأداء شخصية الزوجة الساعية للانفصال، وحمل حضورا خاصا ومؤثرا للفيلم.
كما عملت اختيارات مواقع تصوير الفيلم على بث ملامح تسجيلية معززة بالصدقية والواقعية، زادتها موسيقى الفيلم وأغنيات دارجة منحى آخر من الألق والجاذبية، فضلا عن حسن اختيار وتوظيف أشكال وألوان وتصاميم من قطع الديكور والاكسسوارات، وهو ما كان له الأثر الإيجابي في بلوغ «سمسم» مرامي صنّاعه الانسانية والجمالية، في اشتباك مع حكايات وقصص من بطون الواقع، تطرح ببراعة وفي نوع خاص من الحرفية، تساؤلات جريئة حول حرية المرأة وقدرتها على الصمود والتحدي رغم الصعاب.
(ناقد سينمائي أردني)