ليس غريباً أن تبدو العلاقة بين الثقافة والسياسة ملتبسة في السياقات العربية؛ إذ لطالما ارتبط العمل الثقافي في الوعي الجمعي بطابع النخبوي أو الانتقائي، فيما السياسة اقترنت بصراع النفوذ والسلطة، غير أن هذا التصور السائد بدأ يتصدع أمام تحولات العصر الرقمي، واحتدام الأزمات الوطنية، وما تبعها من شعور متزايد لدى فئات واسعة، وخاصة الشباب، بالاغتراب السياسي، الذي لا يعود سببه فقط إلى ضعف المشاركة، بل إلى الشعور بانعدام الجدوى والفاعلية في التأثير.
الاغتراب السياسي، بحسب الأدبيات، لا يعني فقط العزوف عن صناديق الاقتراع، بل يشمل فقدان الثقة في المؤسسات، والإحساس بأن القرار السياسي يصنع في غياب الإرادة الشعبية، وأن الخطاب السياسي لا يعكس أولويات الناس، بل يعيد تدوير الإحباطات والمخاوف، هذا الاغتراب لا يمكن معالجته فقط عبر الدعوة للمشاركة، بل يحتاج إلى أدوات ثقافية قادرة على إعادة بناء الوعي الجمعي، وطرح أسئلة المعنى والانتماء والهوية السياسية من جديد، وهو ما يجعل من العمل الثقافي بوابة ضرورية لفهم السياسة، لا بوصفها صراع مصالح فقط، بل باعتبارها تعبيراً عن رؤية جماعية للمستقبل.
ولا يخفى أن ربط العمل الثقافي بأهداف التنمية المستدامة، كما نصت عليها الأمم المتحدة، يضفي بعدًا استراتيجيًا على دوره السياسي والاجتماعي، إذ لا يمكن تحقيق الهدف السادس عشر من هذه الأهداف — المعني بتعزيز المجتمعات السلمية والشاملة، وضمان الوصول إلى العدالة، وبناء مؤسسات فعالة وشاملة — دون استثمار الوعي الثقافي كرافعة لخفض الاغتراب السياسي، وتمكين الشباب من لعب أدوار فاعلة؛ فالثقافة حين تتجذر في الوعي المجتمعي، لا تبقى حكرًا على النخب، بل تتحول إلى جسر تتقاطع عليه الهويات، وتتولد من خلاله فرص جديدة للحوار والانخراط السياسي الهادف، بعيدًا عن الاستقطاب أو التهميش أو الشعور بعدم الجدوى.
إن الورش الثقافية، والأندية الفكرية، والمبادرات الفنية، يمكن أن تتحول إلى فضاءات للممارسة الديمقراطية من القاعدة، شرط أن تكون بعيدة عن الوصاية، وأن تستند إلى الإبداع والتعددية والانفتاح. وعندها، يمكن للثقافة أن تبني الثقة، وتحرّك الساكن في الوعي الشعبي، بعيداً عن ضجيج الإعلام الآني أو الأجندات الحزبية الضيقة.
ان إعادة الاعتبار للعمل الثقافي لا يجب أن يُنظر إليه كترف نخبوي أو نشاط هامشي، بل كمحرّك أصيل ضمن منظومة التنمية المستدامة، التي لا تكتمل أبعادها دون الارتقاء بالوعي الجمعي وبناء جسور الثقة بين المواطن والدولة. فالثقافة، حين تُحفز على التفكير النقدي وتفتح المجال أمام التعبير الحر، تعيد تعريف العلاقة بين الفرد والشأن العام، وتمنح الشباب أدوات الفهم والمساءلة والمبادرة، مما يقلص فجوة الاغتراب السياسي ويعزز المشاركة الفاعلة في صياغة المصير الوطني. وبينما تخوض الدولة الأردنية طريقها في استراتيجيات التحديث والتقدم، فإنها بحاجة ماسة إلى جبهة ثقافية تنهض بالهوية والكرامة والمعنى، وتُشرك الإنسان – لا كمستهلك للقرارات – بل كفاعل أصيل في إنتاجها.