دمج الروائي جلال برجس في روايته «معزوفة اليوم السابع» بين التجريب والتفكيك وتيار الوعي والرمزية السيميائية والمشهدية مع استعارة الوجود البشري ورسمه بالسحرية الواقعية المختلطة بالفلسفة الوجودية والسيريالة الأسطورية.
بنى برجس حدود مدينته الديستوبية، مدينة الجد الأول المقسمة إلى سبعة أحياء، التي يقع مخيم منعزل للغجر في أطرافها.. تلك المدينة التي يصيبها وباء "فقدان رؤية الناس أنفسهم في المرايا" وظهور نسخ شبحية تدفع بأصحابها إلى الانتحار، ليظهر المخلص من ذلك الوباء البطل الغجري (باختو) الذي يأخذ على عاتقه تخليص المدينة من الوباء، ومحاولة الوصول للناي، بعد الحصول على مخطوط الجد الأول.
في هذه الرواية يعرض لنا الكاتب جماعة الطائر الأبيض وجماعة الطائر الأسود (قوى الخير والشر في هذا العالم) محاولا إرسال رسائل وجودية بصبغة فلسفية لهذا العالم.
ومن خلال ذلك حول برجس الكتابة الروائية إلى مشرط يفتح من خلاله طبقات النفس والتاريخ والسياسة، محاولا الوصول إلى سؤال عالمي: إلى أين ؟، بعد فقدان العالم لإنسانيته، كما بيّن المفارقة حول القضايا الإنسانية العميقة والهوية الأصيلة للإنسان ومحوها في ظل سيطرة الأنظمة الاستبدادية الظلامية.
حاول برجس أن ينتج رواية تعكس مجتمعا خيالا مفزعا، يسوده الانحدار الأخلاقي، والقمع، والفوضى، وضياع الهوية الثقافية والدينية والإنسانية. وقام من خلال عمله هذا هدم "اليوتيبيا"/ المدينة الفاضلة من خلال التمكن من استخدام أدواته السردية وانزياحاتها وعدد كبير من الرسائل الفلسفية.
وضع الكاتب في بداية كل فصل من فصول الرواية جزءا من مخطوط الجد الأول، محاولا مخاطبة شيء ما؛ كـالعقل، والنفس، والجسد.. وبذلك عمل على تجذير الواقع وإظهار الانزياحات الواقعية، وتحويل جميع العناصر الواقعية إلى كابوس. كما قام ببناء عالم موازٍ (العالم الخيالي) مرادفا للواقع وإسقاطه على الجغرافيا والتاريخ، وأوجد شخصيات نمطية في عالم الديستوبيا (البطل المتمرد، الحكومات الظلامية، الأتباع الموسومون بالخنوع والتبعية)، ثم حاول نقلنا بين الأزمنة (الماضي، الحاضر، المستقبل)، مركزاً على نقل القارئ إلى زمن مستقبلي، قد يكون بديلا (نوعا ما) للواقع، ليضع القارئ في مكان يستطيع من خلاله استشراف المستقبل السوداوي لما يحدث الآن.
وبذلك، غدا هذا العمل رسالة تحذيرية للعالم حول العواقب من سيطرة جماعة الطائر الأسود، والسلطات الظلامية، والتقدم التكنولوجي، وسلب الحريات الفردية والمجتمعية، والعبث بهوية الشعوب واستقرارها، وضياع الروابط العميقة والتجارب الأصيلة.
وبيّن الروائي رؤيته الدستوبية لمستقبلٍ سيطرت عليه القوى المادية والسلطوية، والطبقية، والصراع بين العلم والمال والدين، مع خلق شخصيات صامدة وفاعلة تسعى من أجل الخلاص والتغيير، والبحث عن الحقيقة، وكشف السر؛ متضامنا مع المسحوقين، رافضا للظلم والاستبداد، متحزما بالحب والعلم والموسيقى، كبوصلة للنجاة، وظهر ذلك من اهتمام "باختو" بالقراءة واجتهاده بعمله الممزوج بعشقه للموسيقى وحبه لتوليب مع أنها من حي مختلف عن مجتمع الغجر.
وامتلك برجس "الكتلة الحرجة" كما في علم الفيزياء، حيث توفرت كمية كبيرة من المادة الروائية وتراكماتها، ليشكَّل هذا العمل الروائي المكتنز بالرسائل والدلالات والتفاصيل، ضمن ثيمات أدبية تحمل بعدا تراجيديا متقنا، محاولا كسر قيود الجغرافيا، وبناء فضاء ذهني للمكان المليء ببيئة خصبة تجعل القارئ يستنتج جميع الفرضيات والنظريات والحقائق التي أراد الكاتب إيصالها من خلال عمله الأدبي.
"معزوفة اليوم السابع" ليست مجرد رواية بالمفهوم التقليدي، بل هي مرآة متشظية للعالم، وصرخة في وجه العالم المشوه، تعكس ما لم نتجرأ على الاعتراف به. إذ قامت بكل ما فيها من أدوات سردية على زعزعة السكون الكاذب، وتحريك الرواكد الفكرية، وإعادة طرح السؤال المصيري الجوهري: إلى أين يتجه الإنسان بعد التغيرات التي شوهت هويته، وفقد رؤية ذاته من الأعماق، ليحاول أن ينهض ويسأل نفسه: من أنا؟ ومن نحن؟
كما أن الكاتب اختزل رؤيته اللاذعة للعالم من حوله من خلال اقتباسات طعّم بها روايته، ليستنتجها القارئ، باستخدام لغته الشعرية والرمزية، التي بدورها تجعل الأفكار والرسائل أقرب إلى القلب، وهنا نلمس قدرة الكاتب على الجمع بين الأدب والفكر.
وسنتوقف عند بعض الرسائل التي اعتمد فيها الكاتب على الانزياحات اللغوية، وضمّنها برجس من خلال جمل مختزلة (اقتباسات الرواية):
1. فحين تحترق الأشجار، لا سبيل لاسترداد الاخضرار سوى البذر.
في هذا الاقتباس المختزل من الرواية نجد أن رسالة برجس: مهما كان تدمير الطبيعة والقيم الإنسانية من خلال الاحتراق بعمق معانيه المجازية، لا بد من الأمل وأن الروح -تلك البذرة- هي القادرة على العودة لسابق عهدها من العطاء وأنه لا سبيل للاستسلام ما دام هناك بذور لتحيا من جديد.
2. بات الإنسان تائها وهو يعبر رغما عنه نحو زمن جديد، زمن اختفت فيه روح الجماعة لصالح الفردية، وأصبحت الحرية والعدالة والديمقراطية وحقوق الإنسان مجرد شعارات لا تُجدي نفعا.
هنا يبين لنا برجس أزمة العصرنة وفقدان الجماعة تماسكها، لصالح الفردية، وتحول جميع الشعارات إلى أبواق جوفاء، وتوضيح المفارقة بين تقدم الإنسان التقني وتخلفه الأخلاقي.. لتجعل القارئ يتساءل: هل التقدم يكمن في التكنولوجيا أم في إنسانية الإنسان؟
3. المرايا لا تكذب، إلا إذا كانت مقعرة.
نلمس ضمنيا من هذا الاقتباس تشوه الحقيقة، لأن المرآة مصدر للحقيقة والوضوح، لكنها إذا تشوهت (تقوست) تشوهت الصورة. وهذا قد يرمز سيميائيا إلى النرجسية والغرور، أو إلى وسائل الإعلام والخطابات السياسية التي تخالف الحقائق وتحرفها.
***
لقد هوت الرواية بعقلية القارئ وقناعاته التي لم يعد يراها في مرآة ذاته، إلى النهاية المأسوية المتوقعة، ليعيد تأملاته الذاتوية والفكرية ويخرج أكثر وعيا وإدراكا.
رغم المفارقات والثنائيات المتضادة بالرواية (الأبيض والأسود، الموت والحياة، السعادة والحزن، الغنى والفقر، العلم والجهل، الحب والكراهية، السلطة والتبعية، المقاومة والخنوع.. إلخ)، إلا أن هناك رسالة أخيرة واضحة من الكاتب بأن الموسيقى هي المنطقة الآمنة، الخالية من الصراعات والحروب.. هي المنطقة التي تتعرى الذات فيها من جبروتها وخوفها وضعفها وقوتها، لتكون هي كما هي؛ بلا تناقضات ولا إضافات.. وعلى كل إنسان في هذا أن يبحث عن المخلّص له في ذاته، بعيدا عن الدين والعرق والأصل.